أوراق سياسية |

التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة

| مشاهدات: 497

التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة

التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة

تهدف هذه الورقة إلى تحليل أثر الثّورات العربية الجيوستراتيجي المحتمل إقليميّاً وعالميّاً ، كما تعالج أثر العوامل الجيوستراتيجيّة في هذه الثّورات ، وهي لا تنظر في عوامل نشوب الثّورات وأسبابه ، ولا في دوري الإقتصاد والإعلام وغيرهما في نشوبها ؛ كما أنّها لا تعالج بنية الثّورات العربية ، و تدحض هذه الورقة عدداً من الأفكار المسبقة غير المؤسّسة على معلوماتٍ ووقائعَ .

مقدّمة

قد تبدأ الثّورات العربيّة تحقيباً جديداً لتاريخ المنطقة العربيّة ، إذا ما نجحت في تحقيق تحوّل ديمقراطي ، ويصحّ منذ الآن أن ننظر إليها كثورات يتداخل فيها السّياسي والإجتماعي إلى درجة يصعب معها فصلهما ، ولكن لا يمكن النّظر إلى موجة التّغيير والثّورات العربيّة في إطارها الإحتجاجي الدّاخلي فقط ، وذلك على الرّغم من مركزيّة هذا البعد في إنطلاقتها كثوراتٍ إجتماعيّة إجتاحت – في نمطها العامّ – الجمهوريّات العربيّة ، إذ دقّت في مناسباتٍ عديدة أجراس التّغيير والإصلاح في ملَكيّات مثل البحرين، والأردن، والمغرب .

ذلك أنّ لهذه الثّورات بعداً جيوستراتجيّاً مهمّاً أيضاً ؛ وهو يتمثّل أساساً في تأثيرها في الخريطة الجيوسياسيّة في المنطقة ، وما يرتبط بها على مستوى العالم ، وقد تبيّن في بعض الحالات أنّ للبعد الجيوستراتيجي تأثيره المباشر أيضاً في الثّورات ، وهذا بتفاوتٍ من ثورةٍ إلى أخرى .

لم يُنظَر للثّورات من هذه الزّاوية في بداية إنطلاقتها بتونس ، وكان من الطّبيعي أن يُنظر إلى تأثير الثّورة المصريّة الجيوستراتيجي ، بسبب وزن مصر الإقليمي ، ولكن بوصول الثّورات إلى محاورَ جيوسياسيّة تشهد تبايناتٍ في توجّهات الفاعلين الجيوستراتيجيّين والإقليميّين ، مثل : البحرين ، واليمن ، وسورية ؛ بدت حركات الإحتجاج كما لو أنّها تعكس نسقاً من التّفاعلات داخل النّظام الدّولي والإقليمي ، نظراً لتقاطع المصالح وإختلافها ، وإنعكاس ذلك على مواقع الفاعلين الجيوستراتيجيّين وأدوارهم في منطقةٍ تُعدّ ” بؤرة الأزمات عالميّاً ” لأهمّية موقعها جيوسياسيّاً ، وجيواقتصاديّاً .

وكما هي حال المنطقة العربيّة كحدٍّ جغرافيّ متأثّر بأدوار الفاعلين الإقليميّين والدّوليّين ومواقعهم ؛ فقد انطلقت الثّورات العربيّة في ظلّ تغيّرات جيوستراتيجيّة ، وأحدثت تغيّرات تبدو – إذا ما نُظر إليها نظرة استشرافيّة – بأنها ستكون بالغة التّأثير في تحديد الخريطة الجيوستراتيجيّة من ناحيتي أوزان القوى وأدوارها والمحاور الجديدة المحتملة ؛ بكيفيّةٍ تتلاءم طرداً مع مقدرات الدّول المعنيّة ، وطموحاتها ، وأهميّة المنطقة العربيّة .

أوّلاً : توصيف المشهد الجيوستراتيجي قبل الثّورات العربيّة:

كانت السّمة العامةّ للتّغيّرات الجيوستراتيجيّة في الوطن العربي بعد نهاية الحرب الباردة ، تتمثّل في ثبات مصالح القوى العظمى في الوطن العربي ؛ وغياب الفعل العربي الرّسمي على السّاحه الدّولية . إذ كان الوطن العربيّ ساحة جيوسياسيّة مهمّة لتلك المصالح ، ولم يكن فاعلاً إستراتيجيًّا. وتنافست الدّول العربيّة في التّقرب من الولايات المتّحدة، كلُّ واحدة منها على حدة؛ وفي إثبات أهميّتها للحفاظ على مصالحها ونيل حظوظها. وإنّ إضعاف العراق بعد الحرب الخليج الثّانية، وتلاشي أيّ دور قائد لأيّ دولٍة عربيّة، لاسيّما بعد تنازل مصر عن دورها المركزي في الصّراع العربيّ الإسرائيليّ إثر السّلام المنفرد الذي عقدته مع إسرائيل؛ هي عوامل قد ساهمت في دفع القوى العظمى والدوّل الإقليميّة إلى بلورة توجّهاتها الإستراتّيجيّة، وترصين مواقعها على حساب التّخطيط الإستراتيجي العربي المشترك. وقد استفادت إسرائيل من هذا الواقع؛ إذ أنّ تحالفها مع الغرب ، وغياب الدّور العربي ، قد حصّناها من أيّ تهديٍد أمنيّ حقيقيّ من شأنه أن يغيّر معادلات الصّراع القائمة. وقد تكرّس هذا الواقع بعد احتلال العراق.

أشار احتلال العراق في نيسان/أبريل عام2003 الى دخول الوطن العربي مرحلة جديدة، حاولت فيها الولايات المتّحدة الأمريكيّة تثبيت مواقعها الجديدة وتعزيزها في قيادتها للنّظام الدّولي ، وكان ذلك سعيّاً منها إلى خلق فضاء الشّرق الأوسط الجديد، الذي مثّل أحد أهم أهداف احتلال العراق، وقد واجه المشروع الأمريكي نمطين من ردّ الفعل؛ أحدهما : مثّلته المقاومة التي عبّرت عن نفسها بالمقاومة الوطنيّة العراقيّة، والتي أردفها رفضٌ عربيّ جماهيريّ يمانع مساعي الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأهدافها، في حين تماهى كثيرٌ من الأنظمة السّلطوية مع المشروع الأمريكي وتوازناته الجديدة من النّاحية الجيوستراتيجيّة، وبدا كما لو أنّ معادلةً عكسيّة الاتّجاه بصدد النّشأة في المنطقة العربيّة؛ أحد طرفيها مقاومٌ، والآخر رسميّ متخاذل، سلّم أدواته للهيمنة الخارجيّة (الولايات المتحدة الأمريكيّة)، وعلى المستوى الإقليمي؛ حقّقت المقاومة اللّبنانية إنجازًا غيّر صورة الانتصارات الأمريكيّة الإسرائيليّة المتتالية بردع العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 ، فثبّتت بذلك صورتها كمقاومة ناجعة ، نجحت في طرد الاحتلال الإسرائيلي من لبنان عام 2000 ، دون توقيع اتّفاق سلامٍ، وتعود أهمّية إنجاز عام 2006 إلى أنّه جاء بعد حرب العراق ، الذي تكرّست فيه الهيمنة الأميركيّة، ولكن في الوقت ذاته، توقّفت المقاومة من الحدود اللّبنانية عمليّاً بعد هذه الحرب، وحاولت نقل شيءٍ من نشاطها إلى غزّة لتجنّب الحرب على لبنان؛ مثلما فعلت سورية حين كانت تنقل صراعاتها إلى السّاحة اللّبنانية، وقد استفادت سورية من فاعليّة المقاومة اللّبنانية والعراقيّة؛ ففي رفضها للإملاءات الأمريكيّة بعد حرب 2003 على العراق ؛ راهنت على إمكانيّة تشويش المشروع الأمريكي في بعض دول الجوار، وقطفت ثمار هدا الرّهان عند حفاظها على نظامها من الضّغوط الخارجيّة، وفكّ عزلتها دوليّاً بعد اغتيال الحريري، وعودتها إلى ممارسة التّأثير في السّياسة اللّبنانية الدّاخليّة.

ولم تتحوّل المقاومتان العراقيّة واللّبنانية إلى محورٍ فعليَّ؛ إذ التقتا بفعل تناقضهما مع الخصم ذاته، وجرى لقاؤهما مع سورية في مراحلَ محدّدة ، غير أنّ المنطلقات ظلّت شبه متناقضة؛ فكانت المقاومة اللّبنانية متماهية مع السّياسة الإيرانيّة، في حين كانت المقاومة العراقيّة متناقضة معها.

في هذه المرحلة، اكتسب دور المقاومة المواجه للولايات المتّحدة أهمّية كبيرةّ؛ وذلك بسبب تفرّد الولايات المتّحدة الأمريكيّة بقيادة النّظام الدّولي، وغياب قوى دوليّة يمكن أن توازن هذا الدّور؛ فروسيا كانت تشكو من اختلالات بنيويّة تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، أمّا الصّين، فكانت دولة إقليميّة كبيرة من ناحية الفاعليّة دوليّاً، ولها مقدرات اقتصاديّة وعسكريّة تمكّنها من القيام بدورٍ فاعل؛ لكنّها كانت تعمل على مراكمة قوّتها الاقتصاديّة والماليّة، دون التورّط في صراعات في مناطقَ بعيدة، وقد حرصت على التّوازن الاستراتيجي في المناطق المحيطة بها كدولة إقليميّة عظمى (في تايوان، وكوريا، وبورما، واليابان، وباكستان، والهند بالدّرجة الأولى، وفي جمهوريّات وسط آسيا بالدّرجة الثانية)، كما تبنّت نهجْاً براغماتيًّا من وراء ذلك؛ لا يعبّر عن نفسه إلّا من خلال مصالحَ اقتصاديّة، وجدت لها مجالّاً واسعْاً في أفريقيا جنوب الصّحراء وبعيدّاً عن الوطن العربيّ.

لقد مثّل التورّط العسكري الأمريكي المباشر في أفغانستان والعراق عبئاً على فاعليّة دورها جيوستراتيجيًّا، وبدت الإدارة الأمريكيّة كما لو أنّها غارقة في تفاصيل مشهدٍ سياسيّ لا يمكن ضبطه، وهذا ما فرض تغييرّاً في التّخطيط الإستراتيجي؛ بدأت معالمه تتّضح في نهاية عهد الرّئيس الأمريكي السّابق جورج بوش عام 2007 .

أدركت الدّول العظمى حقيقة التّورط الأمريكي ونتائجه السّلبية على العراق، فإستغلّت روسيا ذلك لاستعادة أنفاسها كفاعلٍ دولي يستطيع أن يوازن الدّور الأمريكي في محاورَ جغرافيّة عديدة، ولكنّها ليست الاتحاد السّوفييتي، ولا تمثّل أيدلوجية بديلة للغرب ، بل هي قوّة ذات مصالحَ إمبرياليّة مثل غيرها، ولكنّها بدت قوّة عائدة، تطمح قيادتها السّياسية (بوتين) لاستعادة أمجاد الانتشار السوفياتي جيوستراتيجياً، وقد تجلّى هذا الطّموح أثناء التّدخل العسكري في جورجيا سنة 2008؛ إذ بدا كمحاولة لوضع حدود لتوسّع حلف الشمال الأطلسي في منطقةٍ تعدّها مجالًا حيويًّا مرتبطّاً بمفردات تعريف الأمن القومي لها ، أمّا الصّين ، فقد تعاظمت قوّتها الاقتصاديّة ، إذ استمرّت في تحقيق معدّلاتِ نموًّ مرتفعة، وغدت عنوانّاً لكثير من الدّراسات الجيوستراتيجيّة، بصعودها كقطب يُنهي الأحاديّة القطبيّة الهشّة في النّظام الدّولي؛ لاسيّما بعد تبلور اعتماديّة اقتصاديّة بين الولايات المتّحدة وأوروبا من جهة، والصّين من جهةٍ أخرى، وقد استثمرت الصّين بشكلْ كبير في الخزانة الأمريكيّة؛ مستفيدةً من حالة الوهن التي خلّفتها الأزمة الماليّة العالميّة، وهو الأمر الذي أهّلها لتتخطّى اليابان في عام 2009 ، وتصبح المستثمر الأكبر في سندات الخزانة الأمريكيّة.

أدى التّحدّي الكبير الذي واجهته الولايات المتّحدة الأمريكيّة في العراق (وفي أفغانستان)؛ وانشغال الدّول العربيّة بقضاياها الدّاخلية؛ وغياب أيّ دور عربيّ فاعل؛ إلى استغلال الفاعلين الجيوستراتيجيّين الإقليميّين الفراغ الحاصل كفرصة لبلورة النّفوذ، يصحّ ذلك في حالة إيران على وجه الخصوص؛ فقد ساهم التورّط الأمريكي في العراق، وغياب الحضور العربي من جهةٍ، في أن تصبح إيران أبرز الفاعلين في هذا البلد؛ وذلك بالاستفادة من وشائجَ فرعيّة (طائفيّة) ربطت تحالفاتها مع القيادات العراقيّة الجديدة، لذلك عمدت إلى تعزيز مصالحها القوميّة ليس في الخليج العربي فحسب، بل وفي المشرق العربي أيضّاً؛ وذلك من خلال تعزيز الحلف الإيراني السّوري، وتطويره إلى مرحلة الالتصاق الإستراتيجي، وخلق محورٍ اصطُلح على تسميته بـ “محور المقاومة” بعد حرب تمّوز في لبنان عام 2006، وقد سار هذا المحور في اتّجاهٍ عكسيّ مع المخطّطات الأميركيّة، وقدّم نفسه على مستوى الرّأي العامّ كمحور “ممانع” أيضّاً؛ أي رافض الانصياع إلى إملاءات السّياسة الأميركيّة والوضع القائم، ومتناقض مع “محور الاعتدال” الذي ضم الدول الممالئة للسّياسة الأمريكية، ونتيجة لذلك، نشأ جسر إستراتيجي؛ يبدأ من افغانستان ، ويمرّ عبر العراق الذي هيمنت إيران على أوضاعه الدّاخلية على الرّغم من الوجود الأمريكي العسكري فيه، وينتهي على السّاحل الشرقي للبحر المتوسّط. وتتسيّد إيران في هذا الجسر؛ بإعتبارها أكفأ الفاعلين من ناحية القوّة العسكريّة والمقدرات القوميّة.

أمّا تركيا، فقد كانت أبرز الفاعلين جيوستراتيجيًّا في المنطقة العربيّة بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السّلطة عام2002؛ إذ راحت تتبنّى مقاربة مختلفة في سياساتها الخارجيّة، تقوم على مبدأ “محاور متعدّدة”، وتعزّز هذا التوجّه يبعد تيقّن الحرب – إثر اكتمال دورته الأولى في الحكم – من فشل مساعيه للانضمام إلى الاتّحاد الأوربي، وقد أسهم في ذلك أيضّاً احتلال العراق سنة 2003؛ إذ وجدت تركيا من سقوط صدّام حسين معضلة أمنيّة تهدّد أمنها القومي، وعمدت إلى تقليص تداعياته من خلال دورها في مؤتمرات “دول جوار العراق”؛ دون أن تنجح في مواجهة التّغلغل الإيراني الحاصل، وتحكّم طهران في مفاصل الحياة السّياسية الدّاخلية العراقية، لذلك لجأت إلى الانفتاح على سورية آنذاك، لتطوير علاقاتها معها، وإبعادها عن الاعتماد الكلّي على التّحالف مع إيران؛ وذلك بالاستفادة من واقع القيادة السوريّة المتأزّم على خلفيّة اغتيال رئيس وزراء لبنان السّابق.

وفي عام 2005 تعطّلت مفاوضات انضمام تركيا الى الاتّحاد الأوربي ؛ بسبب المعارضة التي انتجتها دول رئيسة لاسيّما فرنسا (وظلّ الموقف الفرنسي هذا عامل توتّرْ في العلاقة بين الدولتين)، وبدأت تركيا تميل في توجّهاتها نحو الشّرق، مع المحافظة على البعد الأمني المتعلّق بوجودها كقوّة عسكريّة رئيسة في حلف الشمال الأطلسي، وأمام واقع التّقاطعات  التاريخيّة والثقافية، لم تعارض الشّرائح الشعبية العربيّة تصاعد الدّور التركي في المنطقة العربيّة وتعاظمه؛ خاصّة بعد التّراجع الذي شهدته العلاقات التّركية الإسرائيليّة، على خلفيّة العدوان الإسرائيلي على غزّة سنة 2009، والاعتداء على أسطول الحرّية سنة 2010 ، وقد مثّل نظام الحكم في تركيا نموذجّاً جاذبّاً لهذه الشّرائح ؛ لاسيّما أنّ تركيا كانت متحالفة من الأنظمة الاستبداديّة ، وبالتالي، صار بالإمكان التّعبير بحريّة عن الإعجاب بتركيا كدولةٍ مسلمة وديمقراطيّة.

أمّا إسرائيل، فقد كانت من أكبر المستفيدين من التغيّرات الجيوستراتيجيّة التي نجمت عن احتلال العراق عام 2003؛ وذلك بالنّطر إلى تلاشي قوّة عسكريّة عربيّة كانت تمثّل تهديدّاً أمنيّاً لها (على الرّغم من ضربها في حرب الخليج الثانية)، ودخول سوريّة بعد اتّهامها في قضيّة اغتيال رئيس الوزراء اللّبناني الأسبق رفيق الحريري في أزمةٍ دوليّة ساهمت في صدور القرار 1559 الذي أخرجها من لبنان عسكريّاً ، ووضعها في عزلةٍ دوليّة وعربيّة، كما حاولت إسرائيل الاستفادة من التّفويض الأمريكي لطمس القضيّة الفلسطينيّة، وفرض حلولٍ بدأت بالانسحاب الأحادي من غزّة سنة 2005، وانتهت بإضعاف السّلطة الفلسطينيّة وإجبارها على قبول الحلول الإسرائيليّة، وقد جرى ذلك في ظلّ تراجع الاهتمام العربي بالقضيّة الفلسطينيّة نتيجة العوامل المذكورة سابقّاً، وانشغال الدّول العربيّة بمشاكلها الداخليّة، وزيادة الاستقطاب بين محور “المقاومة” ومحور “الاعتدال” ، كما أنّ التّنسيق المصري ّ الإسرائيليّ قد تطوّر في هذه المرحلة إلى درجة التّحالف؛ لا سيّما بعد فوز حماس في انتخابات عام 2006 في غزّة.

بيد أنّ سوء التقدير كان أحد أبرز الأخطاء الإستراتيجّة الإسرائيليّة؛ إذ جلب لها ورطات واهتزازات أمنيّة أبرزها الفشل العسكري في حرب تمّوز 2006، والعدوان على غزّة عام 2009، وتنامي الدّور الإيراني والإنجازات النوويّة التي حقّقتها، إضافة إلى التّدهور في العلاقات التركيّة –الإسرائيليّة، ولقد تمخّضت حروب 2006 و 2009 عن توقّف المقاومة، وهو ما يمكن عدّه نجاحّاً إسرائيليًّا، ولكنها أدّت أيضّاً إلى استقراراها كـ “قوى دفاعيّة” (بحسب تعريف حزب الله لها) تحاول تجنّب الحرب مع إسرائيل، وتشكّل جزءّاً من محور ، ومثّل هذا نجاحّاً إيرانيّاً سوريّاً ، بعد توقف المقاومة من لبنان وغزّة، وابتعاد التّهديد الأمني عن إسرائيل، وتعمّق الانقسام الفلسطيني؛ اتّجه المجتمع الإسرائيلي إلى دعم خيارات القوّة والاستيطان، وكان ذلك من خلال نجاح اليمين المتطرّف، وإقصاء “حزب كاديما” (يمين الوسط)، وتشكيل حكومة إسرائيليّة بالتحالف مع حزب إسرائيل بيتنا؛ وهو ما شكّل أغلبيّة يمينيّة متطرّفة، أنتجت حكومة من أكثر الحكومات اليمينيّة استقرارّاً منذ إعلان الكيان الإسرائيلي دولةَ في عام 1948، لقد تفجّرت الثّورات العربيّة، في مرحلة ارتياح إسرائيلي غير مسبوق من تهميش قضيّة فلسطين – دوليّاً وإقليميّاً – بسبب الانقسام وهدوء جبهات المقاومة، وقد عدّت حرب غزّة – على مستوى الرّأي العامّ – تصحيحّاً عسكريّاً نسبيّاً لحزب لبنان؛ لقلّة الضّحايا الإسرائيليّين فيها.

وقد نجم عن هذه التغيّرات، غياب المواجهة العربيّة الإسرائيليّة عسكريّاً ؛ وذلك بعد أن بردت جبهات التّوتّر في غزّة وجنوب لبنان؛ فقد فرضت إسرائيل قواعد لعبة جديدة شبيهة بالقواعد التي كانت سائدة على جبهة الجولان، وهي أنّ ثمن المقاومة هو الحرب، وفي ما عدا الاختلاف الأيديولوجي المهمّ فيما يتعلّق بالموقف من إسرائيل؛ أصبحت القيمة العمليّة للمقاومة والاعتدال إعلاميّة وسياسيّة فاعلة في الخلافات العربيّة العربيّة .

ومثّل وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السّلطة – في نهاية عام 2008 – توصيفّاً إستراتيجيّاً لجميع الوقائع السّابقة ، وفتحت – بذلك – تغيّرات جيوستراتيجيّة، تجلّت في النّظام الدّولي من خلال بروز دور صينيّ عالميّ، وتنامي الحضور الرّوسي، وتراجع الولايات المتّحدة رياديّاً في موقعها القائد للنّظام الدولي ؛ فقد تراجعت الولايات المتّحدة عن سياسات التدخّل العسكريّ المباشر، مثلما تراجعت عن الضّغط على حلفائها لإجراء إصلاحات سياسيّة، بما في ذلك مصر والسعوديّة، واعتمدت على تفويض حلفائها الإقليميّين في المناطق التي تعدّها حيويّة، ومالت إلى احتواء الدّول المتناقضة مع توجّهاتها؛ وذلك عن طريق الاستفادة من نزوع قيادات هذه الدّول لترتيب العلاقة معها ، فأرسلت أكثر من إشارة لقبولها بالأنظمة السّياسيّة القائمة في إيران وسوريّة وليبيا؛ دون القبول بسياساتها الخارجيّة ، وقد سار الاتّحاد الأوربي في فلك السّياسة الأمريكيّة، فحصل انفتاح على الدّول التي كانت تُعد “مارقة” أو مُصنّفة في” محور الشر”؛ وذلك بالاستفادة من الرّغبة الجامحة لقيادة هذه الدّول في التّعاون مع الغرب ، ووجدنا نمطّاً أمريكيّاً جديدّاً في التّعاطي مع سورية، خاصّة بعد تعيين روبرت فورد سفيرّاً أمريكيّاً في دمشق سنة 2010 ، وقابله من الجانب الأوربي انفتاحٌ اقتصاديٌّ، من خلال تفعيل مفاوضات الشّراكة الاقتصاديّة، وتبنًّ سياسي برزت أولى مؤشّراته في دعوة الرئيس الفرنسي ساركوزي الرّئيس السوري بشّار الأسد لحضور الاحتفال العالمي باليوم الوطني لفرنسا، والمشاركة في اجتماعات مشروع الاتّحاد من أجل المتوسّط. وهو مشروع رأى فيه ساركوزي مدخلّاً فرنسيّاً لتحقيق حضورٍ جيوستراتيجي، ويمنح فرنسا دورّاً خاصّة في عمليّة السّلام والتّطبيع بين العرب وإسرائيل؛ وهي عناوين عبّرت عن رغبة فرنسا في موازنة نموّ الدّور التّركي في المنطقة العربيّة.

وقد أضحى العقيد معمّر القذافي حليفّاً معترفّاً به أوربيّاً وأمريكيّاً؛ وذلك بعد أن حُسم موضوع لوكربي، والمشاريع التّسليحيّة غير التّقليديّة اللّيبية بانصياعه لإملاءات الغرب، وأصبح رئيس حكومة بريطانيا السّابق مستشارّاً لليبيا، وتوقّفت هذه الأخيرة تمامّاً عن دعم المقاومة، ونصحت بالبدء في دعم قوى الاعتدال، وهكذا بدأت ليبيا في إعداد نجل القذّافي للرّئاسة، وكان هناك أكثر من مؤشّر على أنّ سيف الإسلام ينتمي إلى معسكر الاعتدال عربيًّا، بما يتضمّنه ذلك من علاقة بمعسكر السّلام مع إسرائيل.

ومن التّغيّرات الجيوستراتيجيّة أيضّاً تدخل الغرب وأفريقيا مرّة أخرى لتمزيق وحدة السّودان؛ وذلك من خلال اتفاقية نيفاشا التي رعتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، والتي مهدّت لفصل جزءٍ عضويّ من الوطن العربي وافقت عليه القيادة السودانيّة، وقد أسرعت تلك القيادة لفتح صفحة جديدة في علاقاتها بالغرب، وتثبيط قرار المحكمة الجنائيّة الدّولية الذي فعّلته الدّول الغربيّة وظيفيّاً ضدها، وكانت من وراء ذلك متناسية أنّ سياسات المواجهة العسكريّة والتّفرّد والإقصاء، قد مهّدت الطّريق لانفصال جنوب السّودان بمؤامرةٍ غربيّة إسرائيليّة، وأنّ تداعيات ذلك الانفصال، ستترك تأثيرّاً بينّاً في قضايا عربيّة خطيرة مثل الأمن المائي العربي، وخصوصّاً من جهة احتمال صنع فضاءْ جيوستراتيجي جديد في الجوار الأفريقي للوطن العربي ، أقطابه الدّولة الجديدة (جنوب السودان)، وإريتريا، وأثيوبيا، وأوغندا، وكينيا؛ لاسيّما أنّ الوضع المتفجّر في الصّومال قد غدا تأثير سلبيّ من ناحية انتشار حالة القرصنة، وتحوّل الصّومال إلى بؤرةْ للتصّارع والتوتّر ستصب تأثيراتها السلبيّة على الوطن العربي.

ومن السّمات المهمّة في هذه المرحلة، دور المنظّمات العابرة للحدود، ومنها القاعدة؛ ومحاولتها التّموضع في اليمن والعراق، وقد اضطلعت بدورٍ سلبيّ في تفتيت لحمة المجتمع، وإضعاف روح المواطنة، وتوسيع التفتيت الذي ينعكس سلبّاً على الوضع الإستراتيجي العامّ للوطن العربي، ومن المفيد هنا الإشارة إلى بروز حالةٍ من تماهي خطابات بعض الحركات الإسلاميّة مع أهداف براغماتيّة؛ وهو ما سنجد انعكاسّاً له في مرحلة ما بعد الثّورات ، لمّا اشتعلت الثّورات العربيّة، لم تكن الأنظمة الممانعة – هي الأخرى – في حالة صدام مع الغرب، ولذلك فقد فاجأت الثّورات الولايات المتّحدة وأوروبا في تورّطها مع أنظمة الاستبداد؛ ففي الوقت الذي أعربت فيه إدارة أوباما عن رضاها عن “الأمر الواقع”، وتخيلها عن التدخل في شؤون الدّول الأجنبيّة، بحججْ واهية مثل نشر الديمقراطيّة؛ انطلقت الشّعوب العربيّة في ثوراتها من أجل الديمقراطيّة، ولم تأت هذه الثّورات خارج سياق السّياسات الأمريكية فحسب؛ بل كانت مناقضة لها، لاسيّما بعد أن صارت تلك السّياسات مع الاستقرار وبقاء الأنظمة القائمة، وعندما نشبت الثّورات، لم تكن مقاومة إسرائيل هي القاعدة؛ بل كانت المقاومة قد استقرّت على حالة دفاعيّة في بلدانها، وعادت جهود التّطبيع مع إسرائيل، وتجديد سورية المفاوضات معها بوساطة تركيا؛ هي سيّدة الموقف.

ثانيّاً : التّغيرات الجيوستراتيجيّة أثناء الثّورات العربيّة:

جاءت الثّورات العربيّة متناقضةُ مع التّغيرات السّابقة إذن، وفتحت باب التّغيير والاصلاح؛ لا سيّما في الجمهوريّات الديكتاتوريّة، وبعض الأنظمة الملكيّة، وعلى الرّغم من أنّ واقع التّغيير غير قابل للتّوصيف بدقّة في هذا الوقت، نتيجة الاختلالات النّاجمة عن المرحلة الانتقاليّة في العديد من الدّول العربيّة؛ فإنّ الثّورات العربيّة قد خلقت متغيّرًا مهمًّا ساهم في إحداث جملةٍ من التّغيّرات مرحليّاً ، وسيكون له الدّور الأكبر في تحديد التغيّرات الإستراتيجيّة على المدى المتوسّط والطّويل في العالم العربي؛ خصوصّاً بعد عبور المراحل الانتقاليّة، ويتمثّل هذا المتغيّر في “الرّأي العامّ العربي”، وإذا ما استثنينا دوره الفاعل على مستوى النّظام السّياسي؛ فإنّ له انعكاساته الإيجابيّة على إعادة تعريف الدّول العربيّة لمفهوم أمنها الوطني، بشكلٍ يقترب من الاتجاهات السّائدة شعبيّاً.

والهدف من وراء ذلك ردم الهوّة التي وُجدت سابقّاً بين النّخب السياسيّة الحاكمة وشعوبها في الدّول العربيّة، وقد أدّى ذلك إلى نشوء بدايات غير مكتملة لكيانيّة عربيّة؛ يمكن تلمّسها بشكلٍ واضح في انتعاش دور الجامعة العربيّة كمنظّمة إقليميّة ثقافيّة جامعة، ومحاولة الأنظمة العربية إنتاج تقاطعات جامعة داخلها، ودافعها الأساسي ما زال متمثّلاً في هروب كلّ نظام من مقابلة جمهوره وحيدّاً ؛ لا سيّما في ما يتعلّق بقضايا عربيّة ، ومن أجل ذلك، رصد للجامعة نشاط فاعل، ولكنّه كان محدودّاً خلال الثّورة الليبيّة ، وما لبثت الجامعة أن اضطلعت بالدّور الرّئيس في طرح الحلول السّياسية لقضايا الثّورة السوريّة ، مثل وقف إطلاق النّار، وسحب الجيش من المدن، وإطلاق سراح المعتقلين ،واقتراح خطوات سياسيّة لنقل السّلطة.

تركت الثّورات العربيّة آثاراً في مختلف تفاصيل المشهد الجيوسياسي، سواء تعلّق ذلك بدول المنطقة، أو باللّاعبين الدوليّين والإقليميّين؛ إذ لم تشخص الثّورتان التّونسية والمصريّة بوضوح معالم التّغير الجيوستراتيجي في المنطقة العربيّة؛ نتيجة قصر مدّتهما الزمنيّة، ومرورها كالعاصفة، غير أنّ المدّة كانت في الآن ذاته كافية لإثارة قلق إسرائيل – ودولٍ أخرى – من إسقاطات تغيّر النّظام المصري، لقد أزاحت الثّورة المصريّة الفريدة في عمقها واتّساعها الشّعبي وسلميّتها رأس النظام، وأطاحت بعوائق الإصلاح الرئيسة، وأهمّها التّوريث، وزالت القوى التي تغلق الطريق للبدء في المواقف الدّولية من التّغيير، وحسمت إدارة الرّئيس الأميركي باراك أوباما قرارها بالتخلّي عن الرّئيس المخلوع حسني مبارك؛ مع المحافظة على علاقتها المتقدّمة بأركان نظامه الرّئيسة، لا سيّما منها المؤسّسة العسكريّة المصرية، وهي مؤسّسة ساهمت في منع التّوريث، وفي إزاحة مبارك من سدّة الرّئاسة، وهكذا وقع تشكيل المجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي، وتولّى من ثمّ قيادة المرحلة الانتقاليّة.

ومع انطلاق الثّورة اللّيبية؛ حصلت تفاعلات جيوستراتيجية، أثّرت في الثورة مباشرةّ، لكنّها قصرت أيضّاً عن تشخيص المشهد العامّ للتفاعلات الاستراتيجيّة بين القوى الكبرى والدول الاقليمية، وتجلّت هذه التّغيرات في اختلاف تعاطي اتّجاهات الرّأي العامّ العربي مع قضيّة التدخّل الخارجي؛ ففي العراق (حتّى عندما حملت مفاهيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان) لوحِظ تفاوتُ في الموقف من هذا التدخل في حالة الثّورة الليبيّة؛ إذ ساهم التّعاطف الشّعبي عربيّاً مع الثّورة اللّيبيّة، في تعديل المواقف من التدخّل الخارجي، وحتّى تأييده في بعض الحالات؛ ولا سيّما بعد محاولة نظام القذّافي قمعها عسكريّاً، وأمام ضغوط الرّأي العامّ العربي، تحرّكت الجامعة العربيّة بشكلٍ فاعل، وطالبت بإستصدار قرار من مجلس الأمن “لحماية المدنيّين”؛ وهو ما كان عاملاً حاسمّاً في دحر نظام القذّافي ، انحصرت التّغيرات الجيوستراتيجية التي أحدثتها الثّورة اللّيبية في المحدّد السابق؛ وذلك بحكم أنّ الدّول الغربية التي شاركت في مهمّة حلف شمال الأطلسي، كانت على علاقات سياسية واقتصادية وثيقة بنظام القذّافي؛ إذ منحها الاستثمارات النفطيّة والاقتصاديّة، وعليه؛ فقد كانت عمليّات النّاتو جزءّاً من حماية هذه الامتيازات (أو تحصيلها في حالة فرنسا، التي “حرمت” منها، وراقبت توسّع نفوذ تركيا وبريطانيا والولايات المتّحدة في ليبيا)، وتعزيزاً لنفوذ فرنسا التّقليدي في أفريقيا بعد أن شكّل القذّافي عائقّاً أمام توجّهاتها.

وقد استفادت بعض الدول العربية من تعزيز حضورها في تفاعلات المشهد الثوري العربي، ولا سيّما دولة قطر؛ إذ قامت بالدّور الرّيادي في المبادرة الدبلوماسيّة في مجلس التّعاون الخليجي، وفي التأثير في فرنسا، وفي الدّعم العسكري والتقني للثوّار الليبيّين في الشّرق والغرب لإنجاز الحسم، كما ساهمت الثّورة التونسيّة، ومن بعدها الثّورة الليبيّة، في تنبّه دول المغرب العربي إلى المناخ الثوري العربي؛ فشرعت في التّعاطي مع المطالب الشعبيّة، بطريقةٍ مختلفة عن السّابق، تميل إلى فتح باب الإصلاح الجزئي، وهو ما حصل في حزمة الإصلاحات التّشريعية والإعلاميّة التي أعلنها الرّئيس الجزائري منتصف عام 2011، وما جرى في المغرب عندما اضطرّ الملك محمّد السّادس – تحت تأثير التّظاهرات الشعبيّة التي قادتها حركة 20 فبراير – إلى طرح تعديلات دستورية أقرّت بإستفتاءٍ شعبي ( حصل في شهر تموز \يوليو 2011)، وجرت بعدها انتخابات تشريعيّة تمكّن فيها حزب العدالة والتّنمية من الفوز بأغلبيّة المقاعد، وشكّل حكومة مغربيّة جديدة برئاسة عبد الإله بن كيران.

وعلى الرّغم من الشكوك التي تدور حول هذه الإجراءات الإصلاحيّة، ومدى نجاعتها في فتح باب التحوّل الديقراطي في هذه الدّول؛ فإنها تبرز التأثير الجديد “للرأي العامّ” في تغيير طريقة تعاطي الحكومات، والذي سنتطرّق لاحقّاً إلى تأثيره جيوستراتيجيّاً.

شخّصت الحركة الاحتجاجيّة في البحرين، والثّورة في اليمن وسورية، تفاعل القوى الدولية والإقليميّة جيوستراتيجيّاً بشكل واضح؛ وذلك لأسباب تتعلّق بأهميّة الموقع الجغرافي لهذه الدّول، وبتقاطعات وتباينات النّفوذ الإستراتيجي للفاعلين الجيوستراتيجيّين وحضورهم؛ إذ بلورت ثورة البحرين انقسامّاً واستقطابّاً دغدغ محدّدات طائفيّة؛ حتّى ضمن الإقليم (الخليج العربي)، وتبنّت إيران تبنّيْاً واضحْاً الاحتجاجات في البحرين، ليقع توظيفها ضمن المنافسة والمشادّة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيّما السعودية، وإنّ حماس الحكومة العراقيّة بقيادة نوري المالكي والتيّار الصّدري للتحرّكات في البحرين قد أكّد الشّكوك بشأن طبيعة الموقف الإيراني من البحرين، في حين أنّ دول مجلس التّعاون الخليجي قد نظرت إلى الحركة الاحتجاجيّة في البحرين ضمن محدّدين: أوّلهما الخشية من توسّع النّفوذ الإيراني في منطقة الخليج، لا سيّما بعد تجربة العراق؛ وثانيهما الخوف من انتقال العدوى الثوريّة إلى أنظمة ملكيّة، ممّا يجعل باقي الملكّيات في الخليج عرضة لاحتجاجات مماثلة تقوّض الصورة التي تحاول نشرها عن استقرار الملكيّات، لقد وقفت المملكة السّعودية موقفّاً مناهضّاً للثورات كافّة، بما فيها الثورة ضدّ نظامٍ خصم كالنّظام اللّيبي؛ فقد عاضت طريقة التّغيير بالاحتجاج الشّعبي وجود أنظمة حكم سلطويّة، ورأت الملكيّات الخليجيّة – ولا سيّما المملكة العربيّة السعودية – أنّ الثّورات العربيّة ظاهرة تخصّ “الجمهوريات”؛ إذ لا تتمتّع الأنظمة السياسيّة فيها بشرعيّة تاريخيّة تجعلها في منأى عن رياح التغّيير، وعزّزت هذه الفكرة طروحات قيمية ادّعت أنّ الأنظمة الملكية هي أكثر مرونةً من الجمهوريات، وهي قادرة على احتواء المدّ الثوري بالإختباء وراء هذه الشّرعية التاريخية، كما حصل في الأردن، والمغرب، بيد أنّ هذا التفكير يشوبه الكثير من القصور، لسببين أوّلهما: أنّ فترة التسعينيّات من القرن الماضي، قد فتحت الباب لظهور صرٍاع قيمي حول تشخيص اختلاف الأنظمة العربية دستوريّاً ؛ فقد لوحِظ بروز ظاهرة جديدة تحت عنوان “الجمهوريّات الملكية”، وغدت الجمهوريّات العربية تحكم من خلال أسرة حاكمة، محاطة بأجهزة أمنيّة خرجت عن وظيفتها القمعيّة؛ لتتدخّل في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة بما يضمن مصالحها القائمة على بقاء النّظام واستقراره، وكان من نتيجة ذلك بروز ظاهرة “التّوريث” التي نجحت في سورية، في وقت كان يجري الإعداد للتّوريث في مصر وليبيا واليمن، (وربما في تونس لغير الابن؛ لا سيّما وقد وجدت فيها أسرة حاكمة تناقض مبدأ الجمهوريّة)، لقد نشبت الثّورة العربيّة في الجمهوريّات التي ناقضت منطق الجمهوريّات بالأسر الحاكمة والتّوريث.

ويقود التّحليل السوسيو – سياسي إلى أنّ الملكيّات تمتلك عناصر قوّة نسبيّة مقابل الجمهوريّات الدكتاتورية؛ مثل الديّن، والشرعيّة الأسريّة التي تحافظ على الوحدة الترابيّة للدّولة، وتحصنها مرحليّاً من التّغيير، ولكنّه يقود أيضّاً إلى تشخيص قضايا الفقر والفساد وانعدام الحرّيات التي تعيشها الجمهوريّات الدّيكتاتورية، كما يطرح مسألة الملكيّة الدستورية، وتظهر الرّؤية التاريخية أنّ الأنظمة الملكيّة العربيّة، كانت عرضة لحركات ثوريّة وانقلابية في فترة الخمسينيّات والسّتينيّات من القرن الماضي، كما أنّ تاريخ الثورات في العالم يدلّ على أنّ الجمهوريات القوميّة – لا سيّما في أوروبا – نجمت عن ثورات ضدّ أنظمة ملكيّة.

أنتج التفكير السّابق مقاربة خليجية موحّدة، بالموقف ضدّ الحركة الاحتجاجيّة في البحرين؛ خاصّةً عندما أخذت لبوسْاً طائفيًّا، لكن ترجمته جيوستراتيجيّاً بمواجهة التّوظيف الإيراني ؛ فقد نظرت إيران إلى الاحتجاجات في البحرين على أنّها فرص لتعزيز نفوذها في دول الخليج العربي؛ وذلك بناءً على تقاطعات مذهبيّة مع المعارضة البحرينيّة التي تقود الاحتجاجات سياسيّاً، كما رأت أنّ نجاح الحركة الاحتجاجيّة في تحقيق أهدافها، سيمنحها قاعدة نفوذ جيوستراتيجية في الشّريط السّاحلي العربي من الخليج، وأمام هذه المخاوف الجيوستراتيجيّة؛ بلورت دول مجلس التعاون الخليجي تدخّلّاً عسكريّاً لقوّات درع الجزيرة، فأفقدت بذلك الحركة الاحتجاجيّة زخمها المتصاعد، وفتحت صفحة من التوتّر والتّشابك الجيوستراتيجي  مع إيران؛ امتدّ إلى ساحاتٍ أخرى كما في اليمن وسورية، لم تكن ثورة اليمن – على الرّغم من وضوحها مطلبيّاً وسياسيّاً – أقل تأثيرّاً في التغيّرات الجيوستراتيجية من الحركة الاحتجاجيّة في البحرين؛ فقد حاولت المملكة السعوديّة الحفاظ على نفوذها في اليمن المتّصل جغرافيّاً بدول مجلس التعاون، ولجم فاعلين إقليميّين عن بلورة نفوذهم ، فبدا الموقف الخليجي – بإستثناء موقف قطر – مع تبايناته موحّدْاً ومتقدّمّاً  بعد طرح المبادرة الخليجيّة؛ تلك المبادرة التي حدّدت لليمن مسار الانتقال الآمن، مقارنةً بالهزّات والاختلالات التي كانت محتملة في حال فشلها، وذلك بحكم الخصوصيّة القبليّة للمجتمع اليمني، كما انطوت مجريات الثّورة بشكلٍ طفيف على تنافسٍ جيوستراتيجي بين المملكة العربيّة السعوديّة، وإيران التي بدأت تدخل إلى اليمن قبيل الثّورة مع التمرّد الحوثي، والحقيقة أنّ أيّاً منهما لم تقف مع الثّورة في اليمن، لقد حتّمت رياح التغيّر وجود تنسيقٍ خليجي، ونجحت المبادرة الخليجيّة في تقليص فرص النّفوذ الجيوستراتيجي لإيران في خليج عدن والبحر الأحمر ، من خلال تحالفها مع الحوثيّين (ومؤخّرْاً مع الفئات الأكثر راديكاليّة في الحراك الجنوبي )، كما لجمت دورّاً تركيّاً حاولت أنقرة إنضاجه أثناء تأخر تنفيذ المبادرة الخليجية، إضافةً إلى دور مجلس التّعاون في دفع الجامعة العربيّة لاتّخاذ موقف من نظام القذافي أثناء الثورة؛ وبلورت هذه المبادرة دورّاً متقدّمّاً ورياديّاً لمجلس التعاون الخليجي في الدّائرة العربيّة؛ فقد كانت مصر منشغلة بتفاصيل المرحلة الانتقالية، وغابت سورية بعد اتّساع ثورتها وتجذّرها مجتمعيّاً، وفشل الحلّ العسكري للنّظام السوري في القضاء عليها.

ثالثّاً : الجيوستراتيجيا من خلال الثّورة السوريّة تحديدّاً:

انطلقت الثورة السوريّة في ظلّ واقعٍ جيوستراتيجي معقّد ؛ فالقيادة السّورية التي وظفت تقاطعات السياسة الخارجيّة السّورية كإحدى أدوات إضفاء الشّرعية السياسيّة على النظام الحاكم قد اتّجهت نحو التقرّب من الغرب والولايات المتّحدة، ضمن واقع تبريد جبهات التوتّر ، والتجأت إلى البحث عن التقاطعات المصلحيّة في ساحات جيوسياسية مختلفة؛ خصوصّاً العراق قبيل الانسحاب الأمريكي منه، وحافظ النظام السياسي السّوري على تحالفه الإستراتيجي مع إيران، خاصّةً في ما يتعلّق بالبعد الأمني، وعمد إلى إنتاج تحالف آخر مع تركيا ( عدّه النّظام تحالفّاً إستراتيجيّاً)؛ تركّز بشكل رئيس في الجوانب الاقتصادية التي استفادت منها تركيا، وأفادت النظام السوري سياسيّاً بإخراجه من العزلة الدوليّة التي فُرضت عليه في عام 2005، واستمرت حتّى وصول أوباما إلى الحكم في نهاية عام 2008 ، ربّما تفاجأ النظام السوري بإنتقال عدوى التغيير الثوري إليه؛ إذ كان محكومّاً بصورة نمطيّة فرضت عليه سوء تقدير قابلية المجتمع السوري للاحتجاج، لا سيّما عندما وضع شرعيّة بقائه في سلّة السياسة الخارجيّة المقبولة شعبيّاً ، ولذلك فقد رأى أنّ سبب الثّورة في مصر هو سياستها الخارجيّة، وتجنّب – بذلك – رؤية الأسباب الاجتماعيّة السياسيّة والحقوقيّة الداخليّة للثورات.

لم تتوضّح أهداف الثورة السورية في الأسابيع القليلة لانطلاقتها؛ إذ طغت عليها آنذاك مطالب الإصلاح، والمطالبة بالتّغيير الديمقراطي بقيادة النّظام نفسه ، فغابت المواقف الدوليّة في الأشهر الأولى، وتوحّدت حول دعوات “وقف القمع والعنف، والبدء في العملية الإصلاحية”، وكان الخوف من مصير المجتمع العراقي الماثل للعيان، من أهمّ عناصر تردّد القوى المحليّة والدولية في الاندفاع لدعم هذه الثّورة ، ويضاف إلى ذلك ارتباط ملفّات عديدة بموقع سورية المهمّ جغرافيّاً، ودورها عربيّاً واقليميّاً، أمّا الدول الكبرى المنشغلة بمعطيات التدخل العسكري في ليبيا؛ فقد تراجعت حتّى عن اللّهجة التصعيديّة ضدّ أسلوب القمع والعنف.

اتّسعت الحركة الاحتجاجيّة في سورية أفقيّاً، وتصاعد سقف شعاراتها؛ لتصل إلى مطالب “إسقاط النّظام” ، وفشل النظام سياسيّاً في التّعاطي إيجابيّاً مع المطالب السياسيّة، عندما نزّل الحركة الاحتجاجيّة في خطاب المؤامرة والصهيونية، والتدخّل الخارجي الذي لم يكن قائمّاً ، (وما زال حتّى كتابة هذه السّطور الأقلّ حضورّاً في الثورة السوريّة مقارنة بالثّورات العربيّة، وقياسّاً بطول مدّة الثورة وحجم القمع والضّحايا  الذين شقطوا بين المدنيّين).

أمام الحلّ العسكري الذي تبنّاه النظام، وإصرار الشّعب السّوري على الاستمرار في الثّورة، بدأت المواقف الدّولية تتفاعل، وبدأت تدب الانقسامات بين القوى الكبرى واللّاعبين الإقليميّين؛ فقد دفع تعاطف الرأي العامّ العربي مع الثّورة الجامعةّ العربيّة إلى بلورة دورٍ أجملته بداية تحت عنوان “الوساطة” والاصلاح ، ومع تفاعل دور الجامعة العربية في الثورة السّورية مع الشّارعيّن السّوري والعربي، علّت نبرة الخطاب الغربي داعية الأسد إلى التّنحّي ، وتصاعدت اللّهجة الدبلوماسيّة التركيّة لتنهي فصلّاً من التّحالف بين تركيا وسورية استمرّ ما يربو لستّة أعوام ، أمام هذا الواقع الجديد جيوسياسيّاً، وقفت إيران إلى جانب النّظام السّوري سياسيّاً ولوجستيّاً، فاتحة الباب لاستمرار الاشتباك جيوستراتيجيّاً مع دول مركزيّة في مجلس التّعاون الخليجي من جهة، واستطرادّا مع تركيا، أبرز الفاعلين الجيوستراتيجيّين الإقليميّين في المنطقة ، وكان لوقوف نظام نوري المالكي في العراق مع النّظام السوري – وهو المنتمي إلى عالمْ آخر، كونه نتاجّ التّدخل العسكري الأجنبي وصاحب صورة سلبيّة جدًّا على مستوى الرّأي العامّ العربيّ – أثره الكبير في تعميق طابع التحالف المحيط بالنّظام السّوري، أمّا روسيا، فقد قاربت الثّورة في سورية من منظور جيوستراتيجي بحت، إذ لا ترى روسيا في منطقة الشّرق الأوسط مكانّاً لتعظيم مصلحتها وأمنها القومي أكثر ما تراه في محيطها الإقليمي، ولا سيّما بعض دول آسيا الوسطى، لكنّها تعد سورية من المناطق ذات الحساسيّة بالنسبة إليها؛ فهي ترى في موقعها الجيوسياسي موطئ قدم على شواطئ المتوسّط يتيح منفذّاً لأسطولها البحري في البحر الأسود في قاعدة “سيفاستوبول” إلى مياه البحر المتوسّط ، بيد أنّ موقفها في سورية جاء ضمن معطيات تتعدّى هذا التفسير المبسّط، ويتعلّق بإنكفاء الولايات المتّحدة عن التّدخل المباشر ونزوع روسيا إلى استغلال هذا الانكفاء لتمنح نفسها دورّاً مقابلّاً للإستراتيجية الأميركيّة، وقد رأت في ما جرى في ليبيا حدثّاً معاكساً لنزعة التطوّر هذه، ورفضت أن يحوّله النّاتو إلى عملية تمدّد مجدّدْاً، بعد أن سبق لها وقف هذا التّمدّد في جورجيا، من هنا جاءت محاولة بوتين نفخ الحياة في سياسات الدّولة العظمى بتوجّهاتٍ ذات بعدٍ دولي خارج محيطها الإقليمي.

وترى روسيا أنّ بقاء النّظام السوري هو نفوذ جيوستراتيجي لها حتّى لو كان هذا النّظام ضعيفّاً ، كما أنه في حال تدهورت الأوضاع على منزلقات اقتتالٍ أهلي، ستبقى حاضرّة عبر بدنها بتطوير خطابٍ أبرزُ عناصره موروث من الاستعمار، وهو خطاب حماية الأقلّيات، الذي يسيء للأقلّيات فلقد أصبح واضحّاً منذ عهدٍ بعيد أنّ المواطنين العرب من الطّوائف المختلفة لا يقبلون أن يعامّلوا كأقليات، ولا يجوز أن تفرض عليهم حماية الاستعمار أو الاستبداد ، لقد قرّرت روسيا مناهضة الثّورة ومواجهة من يؤيدها، بعد أن استخدمت بالتّوافق مع الصين حقّ النّقض “الفيتو” مرّتين في مجلس الأمن، وأعاقت بلورة إدانة أو إجراءات دوليّة رادعة ضدّ النّظام السّوري، وقد رأى المحلّلون الإستراتيجيّون في مواقف روسيا من الثّورة السوريّة دليلّاً على نموّ دورها المتصاعد في مواجهة الولايات المتّحدة في النّظام الدّولي، ولكن روسيا البعيدة غير قادرة على لجم إرادة الشّعب السّوري التي سوف تقرّر في النهاية .

موقف روسيا من الثورة السّورية وضعها في تضادّ مع اتّجاهات الرّأي العامّ العربي، ما حتّم عليها إجراء تراجع “تكتيكي” بإنتاج توافقات مع الجامعة العربية والغرب تجلّت في خطّة كوفي عنان، عندما رأت أن التّغيير في سورية لا مناصّ منه، وأنّ انتصار النّظام السوري عسكريّاً بقمع الثّورة أمر غير واقعي، فنجحت في فرض إيقاع الحلّ السّياسي حتّى الآن، واستطاعت أن تكون اللّاعب الأبرز جيوستراتيجيّاً في الثّورة السّورية، في ظلّ عدم رغبة الغرب وتركيا والجامعة العربية في التدخّل حتّى الآن، وغياب التّصميم لديهم على أن يكون لهم دور فاعلّ حتّى الآن، وبقي إصرار الشّعب السّوري على الاستمرار في ثورته هو عامل الدّفع الرّئيس، وأخطأت القوى السّياسية السّورية التي راهنت منذ البداية على التدّخل الخارجي وحدّدت موقفها وخلافاتها على هذا الأساس، وضيّعت وقتاً ثمينّاً في مناقشة هذا الموضوع، وربّما يتّمكّن نضال الشّعب السّوري من تفعيل عناصر دوليّة لاحقّاً ، ولكنّه يبقى الأساس في المعادلة، لقد دحضت ثورة الشّعب السّوري نظريّات المؤامرة دحضّاً كاملاً، فهي لا تمضي رغماً على التّقاعس العالمي فحسب، بل يقود الشّعب بثورته نضالاً ضدّ النّظام السّوري وحلفائه الذين عدّوا الثّورة السورية معادية لهم ، ولذلك تبدو تحالفات النّظام السّوري مع إيران وروسيا والعراق عوامل بقائه الرّئيسة، ولكنّها سوف تؤدّي في النهايّة إلى عدم السّماح للنّظام السوري بالانتصار على الثّورة المستمرّة حتّى تحقيق أهدافها؛ فتشخيص بقاء النّظام كإنتصار لهذا المحور سوف يساهم في منعه دوليّاً.

أمّا على صعيد التّفاعلات الإقليمية، فقد أنتجت الثّورة السوريّة واقعّاً جيوستراتيجيّاً معقّدْاً في الإقليم يبرز في التّنافي بين تركيا وإيران، إذ أسهمت المرونة السّابقة في النّظام الدّولي في إعطاء الدّول الإقليميّة فعاليّة تعبّر به عن سياساتها وطموحاتها في المنطقة الحيويّة لمصالحها المباشرة.

ركزت تركيا في علاقاتها مع الدّول العربية في العقد الماضي على ضمان وتعظيم مصالحها الاقتصادية بجميع الطّرق بعد انزياحٍ في محور اهتمامها من الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبي باتّجاه تفعيل دورها في الدّائرة الشّرق أوسطيّة، وواجهت تركيا في مواقفها من الثّورات العربية مسائل حدّت من فاعليّة سياساتها، والتي تتعلّق بالمصالح الاقتصادية وتشابه تركيبتها العرقيّة والطائفية مع المجتمعات العربيّة، كما كانت آليّة عمل النّظام السّياسي التّركي ببنيته البيروقراطيّة أحد أهمّ محدّدات السّياسة التّركية تجاه الثّورات العربيّة، من خلال معالجة مدخلات الرّأي العامّ التركي، والانتخابات ومواقف الجيش المتحفّظة، ووجود قضيّة كردية في تركيا وفي الدول المتاخمة لها ، ويأتي في الدرجة الثانية تأثير معالجة مصالح تركيا في المنطقة العربية، ومركزها في حلف الناتو.

وافقت تركيا خلال الثّورات العربية على نصب الدّرع الأمريكية المضادّة للصّواريخ على أراضيها، ورفضت المشاركة في “أسطول الحرّية 2″ ، كما أعادت تنسيقها الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل، خاصّة مع الملفّ الكردي، وتراجع مستوى التّنسيق مع كلًّ من إيران وسورية(1).

أمّا إيران، فقد تعاملت مع الثّورات العربية بما يلائم مصالحها الوطنية، وتحالفاتها الإقليميّة؛ حيث يولي النّظام السّياسي في إيران اهتماماً بالغّاً بالسّياسة الخارجيّة أساسّاً ، في غياب سياسة داخلية مركّبة أو ديمقراطية ، إيران التي تدعم المقاومة، بما فيها حركتي حماس والجهاد الاسلامي، اتّبعت سياسةّ مذهبيّةً في تعاطيها مع الثّورات العربيّة، حيث حاولت تقديم نفسها على أنّها حاملة لواء الدّفاع عن الشّيعة في الوطن العربي (2)، مع أنّهم عرب وليسوا إيرانيّين ، وهي نزعة تراهن على تحويل التّنوّع الطّائفي العربي إلى ولاءات سياسيّة على أقل تقدير.

تباعدت العلاقات الإيرانيّة التّركية تبعّاً للخلافات الحادّة بشأن الثّورة السورية، حيث بدأت الترجمة العملية لتصريح بإسم الخارجية الإيرانية في 21-7-2011 ” لو خُيّرنا بين تركيا وسورية، فسوف نختار سورية بلا شكّ”(3)، وذلك من خلال ظهور التّوتر الإيراني التّركي إلى العلن بعد أن استدعت تركيا السّفير الإيراني للإحتجاج على انتقادات إيران لها على خلفيّة استضافتها مؤتمر “أصدقاء سورية 2″، وترشيح إيران لبغداد لاستضافة محادثاتها مع القوى الدولية بشأن برنامجها النّووي بدلّا عن أنقرة ، لقد أفرزت الثّورة السورية حالةٌ من التّنافر بين دولتين إقليميّتين مختلفتين مذهبيّاً ، لكلّ منهما مصالحها في الوطن العربي ، ولكن، لا يمكن أن يسمّى هذا التّعارض في المصالح استقطابّاً ، ولكن الاستقطاب كان بين إيران والمملكة العربية السّعودية التي اتخذّت أوّل موقف مؤيّد للثّورات(4) مدفوع أساسّاً بمنطق الصّراع مع إيران ومحاولة وقف تمدّد نفوذها في الخليج ودول المشرق العربي.

 

اللّاعبون الدوليّون الإقليميّون

تفرض المتغيّرات التي أفرزتها الثّورات العربية والمواقف الدولية منها ضرورة تحديد طبيعة النّظام الدّولي السّائد من أجل إتاحة إمكانية فهم حدود سلوك الدّول الفاعلة في مجريات الثّورات العربية ، وتقتضي تركيبة النّظام الدّولي بين الدولة الأعظم (الولايات المتّحدة) والدول الكبرى (روسيا والصين وخاصّة)، حيث تستطيع الدول الكبرى أن تستقلّ بقرارها وتدافع عن مصالحها الوطنية وتضمن أمنها القومي بمفهومه الواسع، التنموي والعسكري(5)، وتعبّر عن ذلك بعدم السّماح للولايات المتحدة بالسيطرة على سياساتها ومقدراتها، ووضع حد لحرّيتها في فرض إرادتها على الوحدات الأخرى وتوسّعها الأمني غير المنضبط بالقوانين الدولية(6)، ونستطيع في خلاصة تركيبية أن نصل إلى مجموعة من النتائج توصّف التغيّرات الجيوستراتيجية أثناء الثّورات العربية:

– الولايات المتّحدة الأميركيّة: أظهرت الثّورات العربية حالة الانكفاء الأميركي النّسبي كنهج، وفرضت الثّورات على الولايات المتّحدة – في ظلّ هذه الحالة – أن تعيد في أدوات سياساتها الخارجيّة في الشرق الأوسط وتغيّر إستراتيجيّتها مستخدمة أدوات “القوّة النّاعمة”، والتي تمظهرت في محاولة الإدارة الأميركية تجنب التّصادم مع اتّجاهات الرّأي العامّ العربي والتعاطي معه بإيجابيّة، وخاصّة فيما يتعلّق بالتقاطعات مع الحركات الإسلاميّة التي أوصلتها صناديق الانتخابات إلى الحكم في عددٍ من الدّول العربية، ومحاولة احتواء نتائج توسّعها ، أمّا دور الولايات المتّحدة رياديّاً ، فقد شهد تراجعّاً بناءّ على المعطيات السّابقة، لكنّها حافظت على حضورها المتقدّم في مناطق وجودها التقليديّة، ولا سيّما في منطقة الخليج العربي ومصر.

– الصين: تأثّرت الصّين جيوستراتيجيّاً بالثورات العربية فيما يتعلّق بالبعد المرتبط بدور الولايات المتّحدة، لذلك ساهم الانكفاء الأميركي في بروز الدور الصّيني مرحليًّا في حالة تصاعد إستراتيجي.

– روسيا: مع الثورة السورية، بدا الدّور الروسي دورّاً متصاعدّاً ورئيسّاً في الشّرق الأوسط يستطيع أن يوازن الولايات المتّحدة والدول الإقليمية الأخرى في ساحات معيّنة فقط.

– تركيا: تراجع الدّور التركي استنادّاً إلى موقف تركيا من الثّورات المتأثّر بتجاذبات داخلية، ومعطيات حزبيّة ، وبدا الدّور التركي مرتبطّاً أمنيّاً بالإستراتيجية الغربيّة، لذلك سجّل حضوره العربيّ تراجعّاً أثناء الثورات ، ويبدو الآن متعلّقًا بتطور دور تركيا في سورية ، ولا ننسى أنّ جزءّاً كبيرّاً من شعبيّة القيادة التركيّة نجم عن ضعف شعبيّة الأنظمة العربيّة التي تقوم الشّعوب العربيّة بالتخلّص منها حاليًّا، فلا غرابة أن يخبو وهج القيادة التركيّة.

– إيران: أسهمت الثورات العربيّة في زيادة الاشتباك الخليجي الإيراني، وانتقل بعد الثّورة السوريّة إلى توتّر عربي – إيراني على خلفيّة دعم إيران المطلق للنّظام السوري، وموقفها العدائي من الثورة، بشكلٍ أفقدها جزءّاً كبيرّاً من شعبيّةٍ تمتّعت بها سابقّاً ضمن اتّجاهات الرّأي العامّ العربي ، لقد انتقلت إيران من الهجوم الإستراتيجي إلى مرحلة الدّفاع عن مواقعها، ليس ضدّ أميركا أو إسرائيل، بل ضدّ ثورات شعبيّة عربيّة تهدّد مواقعها ونفوذها.

أنتجت الثورة السوريّة استقطابّاً تركيّاً إيرانيّاً ، وأدّى وجود نوري المالكي في المحور الإيراني السّوري بعد سنوات من العداء على النّظام السوري إلى صبغ هذا المحور بصورةٍ معيّنة ، واقتصرت تحالفات إيران على النظام السوري وحكومة المالكي في العراق، وحزب الله في لبنان، في حين عمدت تركيا إلى احتضان المعارضة السوريّة وتعزيز الضّغوط على نظام الأسد، هادفة إلى إنتاج نظام سياسي يتقاطع معها، من خلال فهم ضمني غير مصرّح به للأغلبية الديمقراطية على أنّها أغلبيّة مذهبيّة ، وأسهمت الثورة السوريّة في تلاقٍ خليجي – تركي على الهدف نفسه ، كما أسهم انضمام السعوديّة لداعمي الثّورة السوريّة، وهي التي عارضت الثّورات العربيّة جميعها في تأكيد طابع الانقسام المحوري حول النّظام السّوري.

كان للرأي العامّ العربي دورٌ كبير في تحديد التّغيرات الجيوستراتيجية في مواقع اللاعبين الدوليّين والإقليميين خلال الثورات، وقد انعكس بشكل كبير في بروز الجامعة العربية بشكلٍ فاعل في ملفّات عربية أساسية ولا سيّما ملفّ الثّورة السوريّة.

 

رابعّاً: رؤية استشرافيّة للتّغيرات الجيوستراتيجية بعد الثّورات العربيّة:

تبيّن سابقّاً أنّ الثّورات العربية وضعت “الرّأي العامّ العربي” في خانة المحدّدات الأكثر تأثيرّاً في التّغيرات الجيوستراتيجية في هذه الفترة، والذي بدأ يبلور ” كيانيّة عربية” غير واضحة المعالم ، لاشكّ في أنّ بروز الشّعور بكيانية عربيّة إلى جانب تعزيز الوطنيات المحلّية سيترك تداعياته على التّموضع الجيوبوسياسي في العالم العربي، وسوف يخلق تغيّراً في المفاهيم الإستراتيجية من جهة، ويحتّم تغيّراً جيوستراتيجيّاً مستقبليّاً في توجّهات الفاعلين الجيوستراتيجيّين الدوليّين والإقليميّين من جهة أخرى ، ومن خلال عمليّة الاستقراء السابقة يمكن أن نتوصل إلى بعض النّتائج المستنبطة من التّفاعلات العربيّة الحالية، والتي يمكن الانطلاق منها فيما بعد لإستشراف مواقع اللاعبين الجيوستراتيجيّين وتوجّهاتهم، وأبرز هذه النّتائج هي:

– الإعتدال والمقاومة بمفاهيم جديدة: ذكرنا أنّ الثورات العربيّة جاءت مع تغيّرات جيوستراتيجية في المفاهيم السابقة، والفارق النّوعي الذي أحدثته هو قدرة الرّأي العامّ العربي على التأثير في مدخلات عمليّة صنع القرار، ما يعني تجاوز المفاهيم السّابقة، لتصبح “الكيانيّة العربيّة” المتمثّلة في الرّأي العامّ العربي ” محور المقاومة” الحقيقي، الذي يمكن البناء عليه في رفض الإملاءات الأميركيّة والإسرائيليّة للأنظمة، وتدلّ النتائج الإحصائيّة التي أبرزها المؤشّر العربي الصّادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات صواب هذه النتيجة ؛ حيث أنّ 84% من الرّأي العامّ العربي يرى في القضيّة الفلسطينية قضيّة العرب جميعّاً، وليست قضيّة الفلسطينيّين وحدهم، وأنّ 51% من الرّأي العامّ العربي يرى أنّ إسرائيل هي الأكثر تهديدّاً للدول العربية، و22% يرى في الولايات المتحدة الداعمة لها دولة تهدّد الأمن الوطني للدول العربية(7).

لا يعني ذلك من الناحية الإستشرافية أنّ الحرب هي نتيجة واقعة بين العرب وإسرائيل على المدى المنظور أو المتوسّط، لكن توجّهات بعض الأنظمة العربية لن تكون تنازليّة ومحابية لإسرائيل والغرب كما كانت سابقّاً، وأنّ التّغير في مفهوم الأمن الوطني للدول العربية سيحتّم على الأنظمة العربية التشدّد في مواجهة التّصرفات العدوانيّة لإسرائيل، الأمر الذي سيعزل إسرائيل في المنطقة العربيّة ويحيّد تأثيرها كدولة تستطيع فرض توجّهاتها على محيطها الإقليمي، ولا سيّما في الدول العربية المركزيّة كمصر.

– التّموضع الجيوبولتيكي كيانيّاً: سيرسم التغيّر في تعريف الأمن الوطني للدول العربية خريطة جيوسياسيّة عربية جديدة تتبلور في محاور جغرافيّة متقاربة ثقافيّاً ؛ فالثورة التونسيّة والليبيّة واضطرار الأنظمة في الجزائر والمغرب إلى الإصغاء لرأيها العامّ، قدّمت مؤشّرات لكسر واقع “استدامة الخلافات” بين دول المغرب العربي ، ووجدت الأنظمة الجديدة أو القائمة أنّ المعالجة الاجتماعية لمشاكل الفقر، والبطالة، والدّخل، والرفاهية، لا تنحصر فقط في إطار المعالجة الداخلية، وإنّما تتطلّب تعاونّاً إقليميّاً يأخذ بعين الاعتبار “المتمّم والمكمل”، والقيمة المضافة للعنصر البشري، والموارد الطبيعيّة، والاقتصادية في هذه الدول ، لذلك وجدنا ميلّاً أمام جموح الرّغبات الشعبية(8) لإنتاج إجراءات تكامليّة ذات طبيعة اتحاديّة بين دول المغرب العربي، متجاوزةّ “قطيعة” سياسيّة ونزاعّاً بين عددٍ من دوله ولا سيّما النزاع المغربي -الجزائري(9) ، ولا شكّ في أنّ هذه الإجراءات التكامليّة ستفرض على دولٍ أخرى توجّهات مختلفة، وخاصّة في إقليم وادي النّيل، إذ ستفرض مواجهة المعضلة المائيّة، والأمنيّة، والغذائية، والاقتصادية، وعلى النّظام السياسي في مصر البحث عن بدائل تغنيه عن واقع الإستدانة، والقروض والمساعدات الدولية، والتي تخلق تبعيّة اقتصادية وسياسية ، وسوف تجد مصر نفسها مضطرّة للبحث عن ساحاتٍ اقتصاديّةٍ بكر يمكن للعنصر البشري والخبرات المصريّة أن تتفاعل معها إيجابيّاً ، ولا سيّما أن الموقع الجغرافي لمصر سيجعل من السودان وليبيا أبرز الدول التي يمكن للعنصر البشري المصري الإفادة والاستفادة منها، الأمر الذي سيحتّم البحث أيضّاً عن إجراءات تكامليّة اقتصادية تسمح فيما بعد بتكاملٍ سياسيًّ على أساس تعظيم المنافع والمصالح المشتركة بين هذه الدّول(10).

– بروز التّفكير الإستراتيجي: ما يقصد بهذا المحدّد هو استعادة أهمّية التفكير الإستراتيجي لبعض الدول العربيّة التي يغيب عنها، نتيجة طبيعة النظام السياسي الذي يحكمها، ولا سيّما في منطقة الخليج العربي ودوله المركزية كالمملكة العربية السعودية ، إنّ حالة التحصّن الهشّ في المّلكيات الخليجية من حركات التّغيير تعود في غالبيّتها إلى محدّدات الواقع السياسي الذي يحكم الاختلاف بين الجمهوريات والملكيّات(11)، لكن البعد القيمي للامتداد الثقافي العربي يجعل هذه الملكيات مهدّدة برياح التّغيير والإصلاح، وخاصّةً مع تضافر تأثير الرّأي العامّ في عملية صنع القرار ، يفرض هذا الواقع جملة من التغيرات داخل هذه الملكيات، ولا سيّما محاولة حلّ المشاكل الاقتصادية الداخلية، وفي الوقت ذاته فرض إعادة التفكير الإستراتيجي بشكل لا يرتكز فقط على التقاطع مصلحيّاً مع القوى العظمى لتجاوز المعضلة الأمنيّة، ضمن نهج تخلّي هذه الدول عن بعض” حلفائها” أمام رياح التّغيير.

أسهمت المحدّدات السابقة في تنبّه صناع القرار الخليجي إلى التحدّيات العربية الجديدة التي فرضتها الثورات العربية، فإنتقل من التّفكير ضمن مبدأ التحصّن المرحلي إلى التفكير في المدى الأبعد في مواجهة هذه التحدّيات بناءً على فرص داخلية، وخارجية، وأبرزها التّنسيق ضمن الإقليم سياسيًّا واقتصاديّاً لإنتاج سياسات تعاونيّة في المجال الاقتصادي (الوحدة النقديّة، التّعرفة الجمركيّة، السياسات الماليّة)(12)، إضافةً إلى نزوع إلى التشارك في مواجهة تحدّيات أمنية وسياسيّة مستقبلية للاعبين جيوستراتيجيّين إقليميّين كإيران(13)، أو أقطاب صاعدة كالهند التي تضع منطقة الخليج في صلب مفهومها للأمن القوميّ الهندي ، وما زال العائق الأساسي أمام هذه الخيارات متعلّقاً بعقليّة الأنظمة السّائدة واهتمامات الحكّام ومخاوفهم.

إنّ الإشتراك في التحدّيات والتهديدات يحتّم الإشتراك في المعالجة بعيدّاً عن أدوات سابقة لم تثبت نجاعتها، وهو ما قد يمهّد الطريق لتعاونٍ إستراتيجي أوسع وأشمل بين دول مجلس التّعاون الخليجي على نحوٍ يسمح بإنضاج تكاملٍ إقليميّ مرتبط بتفكير إستراتيجي لمواجهة هذه التحدّيات.

تؤشّر فاعلية هذه التغيرات بشكل أوتوماتيكي على تراجعٍ لأدوار اللاعبين الجيوستراتيجيّين الدوليين والإقليميين ومواقعهم في المنطقة العربية، لكن السّمة العامّة للتراجع تتباين بحسب قوّة اللاعبين وقدرتهم من جهةٍ، ومدى التقدّم والتراجع الذي ستحقّقه القوى العظمى في النظام الدولي من جهةٍ ثانية، وعليه فإنّ التغيرات الجيوستراتيجية ضمن سيناريو تقدّم الثورات العربية تتجلّى كما يلي:

 

1.الولايات المتّحدة الأميركيّة

طغت حالة الإنكفاء الأميركي عن التدّخل المباشر بعد وصول أوباما إلى الحكم في عام 2008 على مسار التفاعلات في النظام الدولي قبيل انطلاق الثورات العربية، وعلى الرغم من تفاجئ الولايات المتحدة بانطلاق الثورات، إلا أنّها سرعان ما تخلّت عن مساندة بعض الديكتاتوريات العربيّة، وأنتجت مواقفّ منفتحة على القوى الجديدة – ولا سيّما الإسلامية – نتيجة مرونة سياساتها الخارجية(14) وبراغماتيّة الحركات الإسلامية، التي بدت مُفرَطة في بعض الحالات.

لاشكّ في أنّ بروز الكيانية العربية كمحدّد رئيس يعكس تداعياته على التوجّهات الإستراتيجيّة للدّول العربيّة، سيحتّم تراجعّاً في الدور الأمريكي “الفاعل والمباشر” في قضايا المنطقة، خاصّة إذا ما ظلت مقاربتها “لأمن إسرائيل” تقتضي تبنّي سياسات اليمين المتطرّف، خاصّة في قضايا القدس واللاجئين والعمليّة السلميّة.

إنّ تراجع الدّور الأميركي رياديّاً في المنطقة العربيّة لا يعني إطلاقّاً غياب الحضور والتأثير ؛ إذ أنّ القواعد الأمريكيّة ما زالت قائمة، وما زالت تعدّ القوّة العسكريّة -السياسيّة الرّئيسة في المنطقة، ولكن المقصود بالإنكفاء هو الإنكفاء عن المبادرة الرياديّة، وستمنح براغماتيّة السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة الحضور الأمريكي صورّاً أخرى ضمن نهج “القوّة النّاعمة” والميل إلى “النّدب الإقليمي”، وتقاطع المصالح، خاصّة في محاور جيوسياسيّة مثل الخليج العربي ومصر؛ ما يعني أنّ تراجع الدور الأميركي سيكون طفيفّاً في النّظام الدّولي، لكنّه سينعكس بأشكالٍ جديدة في الشّرق الأوسط لجهة بروز توجّهات أميركيّة تحافظ على الأمن القومي الأميركي والتّحالفات الإستراتيجيّة ومصالح إسرائيل، وتأخذ بعين الإعتبار التحفّظات الشعبيّة واستجابة الأنظمة العربية لها، خاصّةً فيما يتعلّق بالصّراع العربي الإسرائيلي.

2.الصّين

تُعنى القيادة الصينية بتعريف نفسها كقوّة إقليمية في محيطها الجيوسياسي، ولا تنظر إلى التغيرات في الشرق الأوسط من منظور مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل من حساسيّتها تجاه مقاييس تقدّم الولايات المتّحدة الأمريكية أو تراجعها؛ وعليه، فإنّ غياب الإرادة السياسيّة للقيام بدورٍ فاعلٍ وريادي في هذه المنطقة، سيجعل الحضور الصّيني جيوستراتيجيّاً محكومّاً بالدور الأميركي مع ميل الصّين للتصدّي لأيّ احتماليّة تقدّم أميركي(15).

وليس لدى الصّين تخوّف جيوستراتيجي من احتمالية ظهور كيانات اتحاديّة عربية بحكم محدّدات سياستها الخارجية، لكنّها ستسعى إلى منافسة الولايات المتّحدة في المبادرة إلى التّعاون مع هذه الكيانات، خاصّة من البوّابة الاقتصادية ، وعليه، فإنّ الإنكفاء الأميركي سيحتّم على الصّين سياسةً أكثر انخراطّاً قد تستفيد منه في المدى المتوسّط، لكنها ستتحمّل أعباء جديدة لم تدرجها ضمن إستراتيجيّتها العامّة(16)، ما قد يؤثّر في دورها في المستقبل البعيد.

3.روسيا

تطمح روسيا لموقع في النظام الدولي يفوق مقدراتها القوميّة، وقد وجدت أنّ الثورات العربية قد تنتج تغيّرات جيوستراتيجيّة في الإقليم لا تتلاءم وطموحها المتنامي في عهد أوباما، فأنتجت تحفّظات ومواقف مناوئة لحصول التغيّر في ليبيا، وبفاعليّة أكبر في سورية، إلى حدّ جعلها أبرز اللاعبين المؤثرين في الأزمة السوريّة.

ترى روسيا دورها في الشرق الأوسط من المنظور الإستراتيجي – الأمني نظرّاً لغيابها في المنطقة جيو – اقتصاديّاً ؛ وعليه، تستطيع في المدى المنظور – بحكم الإنكفاء الأميركي – تعزيز حضورها ودورها من دون أن يتّسم هذا الحضور بالقدرة على الإستدامة، لمحدوديّة المقدرات القوميّة الروسيّة، والتي تمكّن روسيا من حضور أكبر أمام الولايات المتّحدة ولكن في ساحاتٍ جغرافيّة أخرى.

4.تركيا

استطاعت تركيا قبيل اندلاع الثورات تحقيق مكانة ودور مهمّين في الشّرق الأوسط بسبب توجّهات سياساتها الخارجية منذ وصول حزب العدالة والتّنمية إلى الحكومة، إذ تحالفت مع الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة من باب تفعيل العلاقات الاقتصادية بعد انزياح محور اهتمامها من الإنضمام إلى الاتّحاد الأوروبي بإتّجاه تفعيل دورها في الدّائرة الشّرق أوسطيّة.

شكّلت بعض الثورات العربيّة، لا سيّما الليبيّة والسوريّة، إحراجّاً للدور التركي، وقد استطاعت حسم الموقف في الأولى لجهة ضمان بقاء الإستثمارات التركيّة في ليبيا على الرّغم من زوال نظام القذّافي الذي أدخلها بقوّة إلى شمال أفريقيا، أمّا في الثورة السوريّة، فقد حاولت تركيا بتبنّي مؤتمرات المعارضة إنتاج موقفٍ يمكّنها من التوسّط بين المطالب الشعبيّة وبقاء النّظام الحالي لعلاقاتها الجيّدة معه بداية، لكنّها فشلت، فبدأت تنتج مواقف تصعيديّة ضمن مسارٍ هادئ اقتصر على تبنّي قوى المعارضة، بل محاولة احتوائها، والضّغط الدبلوماسي أحياناً والعقوبات أحياناً أخرى ، لقد احتضنت تركيا تشكيلات المعارضة وتبنّت الدّعوة إلى رحيل الأسد، ولكن من دون التفكير في إجراءات تدخّلية ملموسة(17)، وسوف يبقى لتركيا دورٌ كبير في سورية بسبب موقفها المتبنّي للمعارضة وبسبب كونها الدّولة الأقوى والأكثر أهمّية وتأثيرّاً من بين الدّول المجاورة لسورية.

فرضت المواقف التركيّة ومحدّدات سياستها الداخلية – التي تخضع لتجاذبات حزبيّة وانتخابيّة عديدة – تراجعّاً في حضورها بعد الثورات العربية، خاصّةً في حالتي الثورة الليبية والثورة السوريّة، وبالطّبع سيسهم التّموضع الجيوسياسي المتوقع في العالم العربي في ملء الفراغ الذي استغلّته تركيا سابقاً كفاعل جيوستراتيجي يحظى بقبول شعبي لإنضاج دور فاعل في المنطقة ، ولا يعني هذا أنّنا سنكون أمام واقعٍ جديد يتدهور فيه الحضور التركي عربيّاً (18) ؛ فنجاح الثورات العربية قلّص أدوار الدول التي تعتاش على سياستها الخارجية مثل إيران، ما يعني رجحان كفّة التنافس التركي الإيراني في المنطقة العربية لصالح أنقرة، مع احتفاظ تركيا بقوّة اقتصادية تجعلها قادرة على بلورة تقاطعات لبناء علاقات إستراتيجيّة مع الدّول العربيّة.

5.إيران

تعدّ إيران الخاسر الأكبر من الثّورات العربيّة بعد الأنظمة العربيّة على المدى القصير والمتوسط، إذ انتشر الموقف السّلبي من دورها في السّاحة العربيّة، ولم ينتج التّغيير أنظمةً حليفة لها أو للولايات المتّحدة في هذه المرحلة كما في مصر وتونس، أمّا سورية فتعيش حالة من عدم الوضوح بسبب مراهنة إيرانيّة يبيّن مسار الثورة أنّها خاسرة، على الأقلّ لجهة بقاء النظام قويّاً، لذلك ستحاول تقليص الخسائر بالقدر الأكبر في سورية، وتعظيم المكاسب في لبنان والعراق، بيد أنّ ذلك قد يفيد مرحليّاً نظرّاً للحاجة إلى سد الفراغ النّاجم عن تراجع دور القوى الدولية، لكن العراق ولبنان يبقيان ساحات غير مستقرّة، ولذلك لا يمكن ضمان وجود نفوذ قويّ فيها خاصّةً في ظلّ افتقاد إجماع شعبي يرحّب بهذا الدّور.

كما أنّ عودة مصر، وتنامي دور السعوديّة في ملفّات مثل سورية واليمن، سيكون له تأثيره السّلبي في دور إيران، عدا عن الدّور التّركي واحتمالاته، خاصّةً بعد نشر الدّرع الصاروخيّة على الحدود الجنوبيّة من تركيا أواخر عام 2012 ، وعليه، ستمتلك إيران هامش مناورة، لكنّه سيصطدم دائمّاً بحضور فاعلين إقليميّين ودوليّين توجّهاتهم مناهضة لها، ولذلك فإنّ الدور الإيراني في المنطقة سوف يتعرّض لإنحسارٍ جزئيّ.

تشعر إيران أنّ التغيّر في سوريّة يستهدفها جيوستراتيجيّاً إذ يكسب اللاعبون الجيوستراتيجيون الآخرون نقاط قوّة، في حين تعجز هي – بسبب طبيعة نظامها، والنظرة السلبية لدورها ضمن الرّأي العامّ العربي – عن تجيير هذا التغير لصالحها أو على الأقلّ الحدّ من الخسائر.

تؤشّر جميع المعطيات السابقة إلى أنّ الدّور الإيراني سيتقوقع في حدودٍ مغلقة في المنطقة، وسيعتاش بفاعليته على حكومات قريبة منه مذهبيّاً ، دون أن يعني ذلك إمكانية استدامة هذا الدور، خاصّةً في ظلّ الإختلالات البنيوية التي تعيشها إيران داخليًّا، وتأثير انحسارها الخارجي على قوّة النظام في مواجهة المعارضة الداخلية، التي نفترض أنّها سوف تتعزّز نتيجة لتأثير الثورات العربية وفشل السياسة الخارجية الإيرانية.

6.إسرائيل:

تنظر إسرائيل بعين الرّيبة والحذر للواقع السياسي الذي تمخّض عن الثورات العربية، خاصّةً في دول كانت أنظمتها حليفة لها، وسيحاول اليمين المتطرّف الإستفادة من التّنافس الجيوستراتيجي في المنطقة بين اللاعبين الدوليّين والإقليميّين – وانشغال الدول العربية بترتيب أوضاعها لإنجاز ثورتها، أو إتمام المرحلة الإنتقاليّة – من أجل إنجاز توجّهاته الهادفة إلى إغلاق القضيّة الفلسطينية بحلولٍ جزئيّة، واستكمال نهجه في توسيع الإستيطان، وفرضه كمعيق جغرافي وديمغرافي ليكون أحد المحدّدات الثابتة في أي عمليّة تفاوضية مقبلة ، بيد أنّ استفادة إسرائيل من الوضع الثوري العربي ستكون في المدى المنظور والقصير، فتأثير الرّأي العامّ العربي سيكون أبرز المحدّدات التي ستفرض محدوديّة دورها وسياساتها، على نحوٍ يجعلها معزولة في محيط عربي يفرض توجّهاته شعبيّاً ، وحتّى على المدى القصير، ظهر أنّ للثورات أثرّاً إيجابيّاً على العلاقة بين المعسكرين الفلسطينيّين المتخاصمين، كما أنّ لها أثرّاً في تصليب الموقف الفلسطيني الرّسمي من المفاوضات، ولا سيّما في غياب الضّغط المصري على القيادة الفلسطينيّة للإنصياع للإملاءات الأميركيّة.

وما سيحسم الموقف من إسرائيل في النهاية هو قدرة الدول العربية التي شهدت ثورات على إقامة أنظمة ديمقراطية ديناميكية سياسيّاً واقتصاديّاً، ومتماسكة أمنيّاً وعسكريّاً، ومؤثّرة دوليّاً لصدقيّتها كدولٍ ديمقراطيّة، كما سوف تحسمه قدرة هذه الأنظمة على تقديم نموذج ناجح داخليًّا، ويعبّر في الوقت ذاته عن ميول الرّأي العامّ العربي ونزعاته الحقيقيّة ضدّ الصهيونيّة وإسرائيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): عقيل محفوظ، “سورية وتركيا نقطة تحوّل أم رهان تاريخي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 10/1/2012، ص 32.

(2): فراس أبو هلال، “إيران والثورات العربية: الموقف والتداعيات”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 20/7/2011:

(3): عقيل محفوظ، مرجع سبق ذكره، ص 38.

(4): وكانت نقطة التحوّل بيان الملك عبد الله بشأن سورية في يوم 7 آب/ أغسطس 2011.

(5): عزمي بشارة، أن تكون عربياً في أيامنا، ط2(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 85.

(6): المرجع نفسه، ص 88.

(7): المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، “المؤشر العربي 2011″، 1/3/2012:

(8): أظهرت نتائج المؤشر العربي لعام 2011 أنّ 67% من الرّأي العامّ العربيّ يرون أنّ التّعاون العربيّ ـــ العربيّ الحالي هو أقلّ ممّا يجب أن يكون عليه ، وأنّ نحو ثلاثة أرباع الرّأي العامّ العربيّ يؤيّد إجراءات تكامليّة ذات طبيعة اتحاديّة. (المرجع السابق نفسه).

(9): طرح الرئيس التونسي منصف المرزوقي أثناء زيارته إلى ليبيا في شهر كانون الثاني/ يناير 2012 فكرة الإندماج بين تونس وليبيا، و”إعادة ضخّ الحياة في المغرب العربيّ”، انظر: “المرزوقي يدعو من طرابلس لإعادة بعث اتحاد المغرب العربي”، جريدة الخبر الجزائرية، 3/1/2012: والجدير بالذكر أن الجزائر والمغرب وموريتانيّا دعمت هذا التوجّه علانية، بل إن هذا الواقع ذلّل العقبات وخفّف الخلافات التي كانت موجودة بين ليبيا والجزائر خاصّة بعد زيارة رئيس المجلس الوطني الإنتقالي مصطفى عبد الجليل إلى الجزائر منتصف شهر نيسان/ أبريل.

(10): بعد تطوّر النزاع بين السودان وجنوب السودان على الحدود والنفط إلى حرب عسكرية بين الدولتين.

(11): يذهب كثير من المحللين إلى أنّ محدّدات عدّة؛ أبرزها طبيعة النظام السياسي وشكل القيم والرموز في المجتمع، وطبيعة الخطاب السياسي في الجمهوريات؛ تعزز من فرص الإحتجاج والثورات، مقابل الشرعية التاريخية التي تكتسبها الملكيات ، وقد يكون هذا الجانب صحيحاً يتعلق بنوعية المطالب السياسية وأهداف حركات الإحتجاج، مثل المطالبة بالإصلاح مع المحافظة على شكل نظام الحكم كما في الأردن، والبحرين، والمغرب، لكن التذّرع بهذا الجانب لإغفال الحاجة للإصلاح مع خاطئ علميّاً، على اعتبار أن الجمهوريات العربية التي حصلت فيها الثورات كانت متشابهة إلى حد بعيد مع الملكيات ، وتجلى ذلك في بروز عائلة حاكمة، وميلٍ إلى التوريث، وظهور فئة مستفيدة ونخبة تدعم بقاء النظام الحالي، وتحديد شكل التفاعلات المجتمعية عن طريق الريع، ما يعني أن الإختلاف بين الجمهوريات والملكيات لا يعدّ حصنّا للأخيرة من حركات الإحتجاج والثورات. انظر: عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، ط1 (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص16.

(12): لاشكّ في أن الثورات العربية فرضت على دول الخليج العربي زيارةّ في التقارب ضمن معطى تماثل الأنظمة الخليجية، وقد أسهم هذا التقارب في ظهور دعوات اتحادية من مستويات عليا قادرة في هذه الدول، أبرزها كان في اجتماع القمة الخليجية الـ32 في الرياض في شهر كانون الأوّل/ ديسمبر 2011، إذ دعا الملك السعودي إلى الإنتقال بمجلس التعاون الخليجي من مرحلة التعاون إلى الإتحاد. انظر: ” خادم الحرمين الشريفين يطالب بتجاوز مرحلة التعاون والوصول إلى الإتحاد في كيان واحد:، الشرق الأوسط، 20/11/2012: وعلى الرغم من أن هذه الدعوات تنحو منحّى إعلانيّاً أكثر ممّا هو إجرائي، إلا أنّ تحدّيات مستقبلية ـ خاصة إذا كانت أمنية ـ ستدفع في اتجاه إعادة وضع هذه الدعوات ضمن الخطط المستقبلية، ما يعني أنّ بروز التفكير الإستراتيجي كظاهرة ليس مرتبطاً بالجانب الرغبوي الإرادي لصانع القرار الخليجي، وإنّما تفرض محدّدات بقائه أحياناً هذا التفكير.

(13): برز هذا بصورة جليّة خلال اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في الدوحة (17 نيسان/ أبريل 2012)، بغية إنتاج مواقف مشتركة مع مستجدّات قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلّها إيران، بعد زيارة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد إلى جزيرة أبو موسى ، وقد نتج من هذا الإجتماع لهجة تهديد إعلامية واضحة تجاه الإستفزازات الإيرانية في موضوع الجزر. انظر: “اجتماع الدوحة رسالة واضحة”، البيان الإماراتية، 19/4/2012:

(14): لا تعود فكرة تقبل الإسلاميّين في الحكم إلى موعد انطلاق الثورات، ولكنها كانت حاضرة في عمل العديد من مراكز الأبحاث في واشنطن، وفي ذهن صانع القرار الأميركي منذ تسعينات القرن الماضي، مع جان اسبيزيتو مستشار الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في عام 1994، إذ نظر إلى الحركات الإسلامية على أنّها حركات براغماتية يمكن لأميركا أن تصل معها إلى تقاطعات تضمن مصالحها، لذلك لم نجد قلقّاً كبيرّاً على المدى القصير، والمتوسّط من فوز الإسلاميين في مصر، أو تونس، أو المغرب، في ظلّ ميل هذه الحركات إلى الإنفتاح على الولايات المتّحدة الأميركيّة ضمن فهمٍ رغبوي من أجل البقاء في السلطة.

(15): تسعى الصّين إلى انتهاج سياسة انعزالية بالقدر الممكن، مع استثناءات تتمثل في زيادة الدور الأميركي أو تقلصه، من هنا عمدت أيضّاً إلى استغلال حالة الوهن الأميركي المحدود الذي يحجمها عن التدخل المباشر لموازنة احتمالات انعكاس الربيع العربي إيجابيّاً على الحضور الأميركي في المنطقة، فأنتجت تقاطعات مع روسيا في المؤسسات الدولية، من خلال استخدام الفيتو ضدّ مشروع قرار بشأن سورية، ليس رغبة في إعادة تفعيل نمط الحرب الباردة، وإنّما تمسّكّاً بالعرف الذي حتّم التنسيق بين روسيا والصّين في مجلس الأمن منذ سبعينيّات القرن المنصرم، ولمحاولة تحجيم تأثير مثل قرار كهذا في تحسّن الصورة الأميركيّة في العالم العربي بعد تراجعٍ سبّبته السياسات الأميركية فيما سبق.

(16): سجّلت الصين في عام 2011 معدّلاً للنموّ قدّر بـ8% وهو معدل منخفض مقارنة بـ10,5% عام 2010، ويعود هذا الإنخفاض أساسّاً إلى تراجع معدّل تجاراتها مع الولايات المتحدة ودول أوروبا بسبب الأزمة الإقتصادية في دول أوروبا، ما يعني أنّ الصين كانت اقتصاديّاً مستفيدة من الإستقرار النسبي في النظام الدولي.

(17): لاتزال تركيا ترى أن الأزمة السورية لا تؤثر في أمنها القومي بصفة مباشرة، ولكن في حال انهيار الوضع في سورية إلى منزلقات فرعية، فتركيا ستعود إلى مقاربة الوضع ضمن المعطى الأمني والمرتبط بالتحالفات ضمن الدائرة الأطلسية، خاصّة وأنها تعدّ القوة الثانية في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة الأميركية من الناحية تعداد القوّات العسكرية، وأنّ ملامسة الوضع في سورية للأمن القومي التركي ستخرج الأزمة السورية من كونها قضية رأي عام يخضع للتجاذبات بين الأحزاب داخل تركيا لتصبح أزمةّ تخصّ مجلس الأمن القومي التركي.

(18): يمكن أن يتدهور الحضور التركي في الشرق الأوسط في حالة وحيدة تتمثّل في قدرة النظام السوري على الإنتصار على الثورة الشعبية.