دراسات تخصصّية |

ثورة العلوم المزيفة

| مشاهدات: 324

ثورة العلوم المزيفة

ثورة العلوم المزيفة

في العقيدين الاخيرين جلبت ثورة الانترنت معها طوفان كبير من المعلوماتية وتطوٌرت بيئة الانترنت الى ان اصبحت كالنافذة المطلٌة على العالم وتطوٌرت معها وسائلها التفاعلية حتى ظهرت ساحات المنتديات ومواقع التفاعل والتواصل الاجتماعي واصبح هناك مواقع إليكترونية بكافة لغات العالم وتنضح بمختلف مشارب العلوم والمعرفة , ومالبثت هذه الثورة التقنية طويلاً حتى ظهرت في العقد الاخير ثورة اخرى في مجال الاتصالات وتكنلوجيا المعلومات لتضيف المزيد من اندفاع طوفان المعلوماتية الذي غمر جميع اطياف شرائح المجتمع

فاصبحت المعلومة تسير بسرعة الضوء في انتقالها والحصول عليها لايستغرق ثواني معدودة من خلال محركات البحث التي تختصر الكثير من الوقت والجهد , وكما ان الوفرة الكبيرة في المعلومات ساهمت بشكل واضح في خروج بعض المعارف والعلوم من نطاق المتخصصين والحلقات الصغيره الى النطاق العام والحلقات الكبيرة ومن طاولة الباحثين الى ساحات الانترنت , فاصبح من السهل اكتساب معارف جديده دون الجلوس على مقاعد الفصول المدرسية او القاعات الجامعية والسير على النمط الاكاديمي المعتاد

وكما أن لهذه الثورات المعلوماتية ايجابيات كبيره فهي ايضا لا تنعدم من السلبيات , فهذا الطوفان يحمل معه السمين والغث والصحيح والمزيف والنافع والضار يستقي من حوضه الجميع بكافة مستوياتهم سواءاً من اهل الاختصاص او من عشًاق المعرفة ومحبي القراءة

ولإن عالم الانترنت عالم فوضوي غير مقيًد بالاصول العلمية في البحث والكتابة وغير منظم كالتنظيم الذي تجده في الجامعات الاكاديمية والتي تهتم كثيراً بالمصادر والمراجع ويوجد بها اساتذه جامعيون يوجهون الطلاب الى المراجع المعتمدة في تخصصاتهم ويشرفون على ابحاثهم , بعكس مستخدم الانترنت الذي قد يكون مستخدم هاوي يملك شغف الاطلاع او من عشاق القراءة ويفتقر الى الاستاذ الموجهه والى العالم المعرفي المنظم

فهذه الفجوة أبتلعت في احشاءها الكثير من طالبي المعرفة وتركت مستخدم الانترنت ينهل من هذا الطوفان المعلوماتي دون أن يملك اي بوصلة تدله على الطريق الصحيح لعدم وجود الاستاذ الموجهه الذي يملكه الطالب الاكاديمي ولا يملكه مستخدم الانترنت , فمن الطبيعي حتماً تشوء معارف مزيفة تشبه السلع المغشوشة التي تقتحم الاسواق ولا يستطيع الزبون المشتري التفريق بينها وبين السلعة الاصلية , بسبب التشابه الكبير بينهما والذي قد لايتسطيع التمييز بينهما سوى الشركة صانعة هذه السلعه من شدة التطابق !

ومايحصل في عالم الاسواق والسلع يحصل في عالم العلوم والمعرفة وغالبا ماتكون الدوافع خلف ممارسة الغش التجاري او العلمي أسباب تجارية او اجتماعية وسياسية وفي هذا الكتاب سوف نتطرق لفهم عالم ماوراء المعرفة ونحاول تصحيح الكثير من المفاهيم والتصورات الخاطئة عن بعض المعارف التي توصف بأنها علمية وهي في الحقيقة ليست إلا معارف مزيفه قائمة على التزيف او سوء الفهم الصحيح لإصل المعلومة وحجمها الحقيقي

وهذه العلوم وللاسف نجحت كثيرا خصوصا مع ثورة المعلوماتية في صناعة جماهير عريضة حول العالم وعالمنا العربي يفتقر للمؤسسات العلمية الاهلية او الاكاديمية والتي تتولى تصحيح المفاهيم وكشف الحقائق ورفع مستوي الوعي لدى القاريء العربي, فأصبح من الضروري وجود هذه المؤسسات وكذلك الباحثين المحققين الذين يشبه عملهم عمل المحقق الجنائي والذين يتولون التحقيق العلمي في القضايا الماورائية والغرائبية المثارة من قبل الاعلام والصحافة او الناس والمجتمع لإنقاذ الشارع العربي والعقل العربي من هذه البضائع المغشوشة والتصورات الخاطئة الناتجة عن التداول الغير صحيح للمعلومة , فهذه البضائع المغشوشة او كما يطلق عليها الباحث والمحقق المخضرم ” جيمس راندي” العفن العلمي , اجتاحت الشارع الامريكي والغربي , خصوصا في مرحلة مابين الخمسينات والثمانيات حتى وصلت الى الهوس الجماهيري وكانت المحطات التلفزيونية ودور النشر التجارية من ابرز المضخات التي تدفع بهذا الطوفان من العلوم المزيفه الى ساحة المجتمع والى سوق المكتبات والمحطات التلفزيونية حتى اصبحت القنوات التلفزيونية لاتكاد تخلو من مدعي الخوارق والبرامج الوثائقية المفبركة ومثلها المكتبات التي تمتليء رفوفها سنوياً بمواضيع الغرض منها الاثارة والبحث عن الكسب المادي ومثلها عناوين الصحف الرئيسية والاعلانات على الشوارع , فهناك مقولة تنسب الى الكتاب الروائي لويس فرديناند سيلين المتوفى عام 1961 ميلادي يقول فيها “بأن العالم تعفن بالاكاذيب حتى وصل الى درجة الانهيار والتحلل” وهذا مما يعكس حالة الاحباط والتشائم في اوساط النخب من وضع الشارع الغربي في تلك المرحلة من الخمسينات

والامر يختلف نسبيا لاحقاً في مرحلة السبعينات والثمانيات مع بروز المؤسسات العلمية التي تنشط في عمق المجتمع وتمارس دور التصحيح والتعليم ورفع مستوى الوعي وتحارب بضراوه هذا الزيف المعرفي المعطل للعقل المجتمعي ونجحت في إحياء صحوة معرفية طهرت اثارها الجلية على الشارع الغربي في منتصف وآواخر الثمانيات واعلنت التحدي عبر القنوات التلفزيونية لمروجي “العلوم المزيفه ” ورصدت جوائز مالية ضخمة لمدعي الخوارق لإثبات قدراتهم الخارقة امام الجماهير , فنجحوا نجاحات كبيره في مرحلة الثمانيات خصوصا في تنظيف المحطات التلفزيونية من هؤلاء الدجالين وكشف اساليب خداعهم واصبحوا لايتجرؤن على الخروج في المحطات التلفزيونية وانتقلوا الى ممارسة الدجل في اوساط عوام الناس وفي اوكار القاعات المغقلة بعيداً عن التحدي والمواجهه

هذه الصحوة لم تدم طويلاُ من ظهور الانترنت وتطور برامج المنتاج للاشرطة الفيدو وبرامج معالجة الصور ووجود ساحة عرض كبيره -بعدد زوارها- بحجم “اليوتيوب” ومواقع إلكتنرونية كثيره حلٌت محل المحطات التلفزيونية ودور النشر لتمارس دورها في ضخ هذه العلوم المزيفه ونجحت في اعادة تسويق هذه البضائع المغشوشة وصناعة جماهير كبيره لها حول العالم وللاسف قد تجد اشخاص يحملون شهادات عليا او صفة باحثين وكل انتاجه البحثي يستقيه من عالم العلوم المزيفه, دون الاحاطة الكاملة بحقيقتها او بطبيعتها , فمن ما لاشك فيه ان العلوم المزيفه توسعت وتضخمت واصبحت تملك رصيد مرجعي كبير , فأصبح هؤلاء الباحثين وجماهيرهم يعيشون في عوالم تشبه عوالم “هاري بوتر” الخيالية , سقطوا في ثقبها الاسود وابتعدوا كثيرا على المنطق الذي تسير عليه الساحة العلمية الرصينه

مدخل

هناك ما هو أهم من المعلومة نفسها؛ وهو مصدر المعلومة , قيمة المعلومة تقاس بحسب مصدرها لا بحسب نوعيتها ومضمونها , فعندما يحصل الشخص على معلومة مصدرها الصحافة الصفراء على سبيل المثال , فإن قيمة المعلومة تصبح مشابهه لقيمة العملة المزوره , فالعملة المزورة قيمتها في اسواق المال صفر , سواءاً كانت من فئة الريال او فئة الـ500 ريال , وسواءاً كنت تملك منها ريالاً واحداً او تمللك منها المليارات ستبقى قيمتها ايضا صفر

والقضية لاتنتهي لمجرد معرفة المصدر عند هذا الحد , لايكفي منح المصداقية للمعلومة لمجرد انها صادرة من مؤسسة علمية اهلية او جامعة اكاديمية او شاهد عيان او باحث متخصص او شخص يحمل شهادة الدكتوراه , هناك ابعاد اخرى يجب أن تكون على معرفة بها قبل ان تمنح هذه المعلومة أي مصداقية وتبني على مضمونها اي تصورات واستنتاجات

لابد ان تكون على معرفة جيدة بجودة المصدر ومصداقيته وتعرف أبعاده الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية , فإن كانت المعلومة مصدرها جامعة اكاديمية فهناك جامعات غير معترف بها وجامعات وهمية منتشره في كل ارجاء العالم , وإن كان المصدر مؤسسات علمية اهلية فهناك مؤسسات علمية اهلية ذات ابعاد عقائدية ومهمتها ألباس معتقداتها الدينية لباس العلم , وان كان المصدر باحث متخصص او صاحب شهادة دكتوراه فهناك الكثير من هؤلاء من ينشط في صناعة الاساطير الشعبية والقصص الفلكلورية وهو شخص يتعاش مادياً على هذه المؤلفات لما لها من رواج جماهيري كبير فهو في الاساس باحث تجاري وليس باحث علمي ويعمل لدى دور نشر تجارية لايهمها ابعد من لغة الارباح , وكذلك المعلومات التي يكون مصدرها شهود العيان , فشاهد العيان ليس بمصدر معتمد في المعلومات لانك لاتعلم مدى سلامته عقلة ومدى علاقته المصلحية بالشهادة التي قدمها ومدى ارتباط الحدث الذي شهد فيه بمعتقداته الدينية وامور اخرى غير معروفة , وسيكون لنا تفصيل اكثر في مايتعلق بشهود العيان في هذا الكتاب

الان لكي تتضح الصور اكثر سوف اعطيك مثالاً

عندما يكون هناك صحفي برازيلي كفلته الجريدة بكتابة تقرير عن الاوضاع السياسية في الشرق الاوسط , وكتب تقريراً قال في ثناياه ان الدولة الفلانية قامت بقتل المظاهرين المحتجين على اوضاعهم المعيشيه واعتقلت عشرات الالف من النساء والشيوخ والاطفال .. الخ وضمنً هذه المعلومة بالمصدر الذي استقى منه الخبر وهو الجريدة الفلانية او الموقع الاخباري الفلاني او نقلاً عن المحطة الاخبارية الفلانية

هذا الخبر في صيغته وان كان يحمل مصدر لجهة اخبارية رسمية او شبه رسمية او حتى جهة مستقلة قد ينتشر بين النشطاء السياسين ونشطاء حقوق الانسان ليعلنوا رأيهم المحتج على هذه الممارسات بناءاً على هذه المعلومة

فهذا الصحفي البرازيلي وان كاناً متخصصا في كتابة التقارير السياسية إلا انه لايعلم عن طبيعة الصراع في الشرق الاوسط ولا يعلم عن ماوراء الاحداث التي تدور في الشرق الاوسط , فهو ينقل عن مصادر لايعني خلفياتها ولا يعي طبيعة الصراع في المنطقة

فلم يكلًف نفسه بالسؤال عن هذه الجهة الاخباري لإي دولة تبتع ! وهل هذه الدولة على خصام سياسي مع الدولة المتهمة بقتل المتظاهرين , وهل للصراع المذهبي الموجود في الشرق الاوسط له علاقة بالجهة الاخبارية والدولة المتهمة !!

عندما يعلم الصحفي طبيعة الصراع في المنطقة وان الخبر صادر من جهة اخبارية تتبع دولة معادية للدولة المتهمة بقتل المتظاهرين ويعلم ايضا ان الجهة الاخبارية تمثل طائفة تختلف عن طائفة الدولة المتهمة ويعلم ان هاتين الطائفيين على عداوة وصراع محلي وسياسي وعقدي يطفح في وسائل الاعلام وبين جماهير الشارع , فأن كل هذه الخلفيات عن المصدر تضعك امام احتمال كبير يرجح انها معلومة غير صحيحة وإن هذه المعلومة من افرازات الصراع السياسي والمذهبي في المنطقة

إنما النشطاء السياسين والمتلقي البرازيلي لايعلم عن هذه التفاصيل شيئاً فيستقبل المعلومة على اساس انها خبر صحيح مصدره جهة اخبارية , وتبدأ هذه الكذبة في التداول بينهم وفي التأثير على اوساط الناشطين في السياسية وحقوق الانسان

والامر لايقتصر على ذلك , فقد يأتيك كاتب كبير القيمة والحجم واراد ان يتحدث عن الشرق الاوسط في كتابه كموضوع ثانوي وليس رئيسي متعلق بالشرق الاوسط , فيذهب وينقل عن هذا الصحفي البرازيلي هذه المعلومات , وقد يعتبرها البعض صحيحة لإن هذا الكاتب كبير القيمة والحجم والمصداقية ذكرها في كتابه

وهنا يجب الاشارة الى ان هذه الكاتب الكبير ليست مهمة التحقيق , هو موضوع ثانوي في كتابة او تقرير ادرج هذا الخبر بناءاً على تقرير هذا الصحفي البرازيلي , فليست مهمته تحقيق الخبر , المهمة تكون للمحققين الذين يفحصون المصادر وماوراءها من خلفيات فهناك تكون مهمة المحقق تصحيح المعلومة وتوضيح طبيعة المصدر وطبيعة الاوضاع السياسية في المنطقة ومبرراته التي من خلالها يأكد عدم صحة المعلوم او عدم صحة الاستشهاد بها والاعتماد عليها

فهذا المثال يوضح ماتسير عليه اغلب اخبار الماورائيات , والتي تعتمد على نقل خاطء للمعلومة او استقاء معلومات من مصادر لايعلم الشخص أي شيء عن خلفياتها
فلو عرف كل هذه الاشياء سوف تضعف كثيرا قيمة هذه المعلومة