دراسات تخصصّية |

ثورة الصين العلمية

| مشاهدات: 290

ثورة الصين العلمية

ثورة الصين العلمية

ترجمة: قتيبة ياسين

بدءًا من بناء أكبر مباني للتجارب في العالم والتي تسعى لطرح أحدث التطورات في المجالات الطبية على نطاق واسع وانتهاءًا من دفع حدود الأستكشاف نحو المحيطات العميقة والى الفضاء الخارجي، يبقى الطموح العلمي الصيني هائل ولا حدود له.
فقبل عقود قليلة ماضية، كانت الأمة الصينية بالكاد تظهر في التصنيف العالمي للعلوم. أما الآن، فإنها تقف خلف الولايات المتحدة الأمريكية في مقدار الأنفاق على البحوث وعدد الأوراق العلمية المنشورة.
ولكن بالرغم من هذا التقدّم السريع، تواجه الصين عددًا من التحديات.
وفيما يلي، خمسة من المشاريع العلمية الأساسية والتي سوف نوضّح فيها نقاط قوتها الهائلة وكذلك بعض من نقاط ضعفها. وربما سوف يساعدنا ذلك في معرفة جواب سؤال فيما إذا سوف تصبح الصين الدولة الرائدة في مجال الأبحاث العلمية أم لا.

١- أكبر تليسكوب راديوي:
هو عبارة عن صحن شديد الأنحناء، هائل الحجم وشديد اللمعان تحت ضوء الشمس، تحيط به الجبال من جوانبه. عمال البناء مشغولون بوضع اللمسات النهائية على هذا الهيكل الذي يبدو صغيرًا بخلفية ضخمة. إنه أكبر تليسكوب راديوي تم بناؤه على الأطلاق، بقطر يبلغ ٥٠٠م (١٦٤٠ قدم).

يقول البروفيسور بينغ بو « الصين، في علوم الفلك، متأخرة جدًا بالنسبة للعالم».
في مقاطعة غويزو جنوب غربي البلد، كل التليسكوبات هناك قزمة الحجم. حيث إن الرقم القياسي مسجل لدى مرصد أريسيبو (Aricepo) في بورتريكو والذي يبلغ قطره ٣٠٥م (١٠٠٠ قدم). كما إن تليسكوب لوڤل (Lovell) في شمال إنگلترا يقدّر قطره بـ ٧٦م (٢٤٩ قدم). إنها ليست مزايدة في الحجم، بل هي شيء جيد عندما يتعلق الأمر بالتليسكوبات الراديوية في علوم الفلك.
وفي حين إن بعض التليسكوبات، مثل تليسكوب هابل الفضائي، يستخدم الضوء في رصد الكون المرئي، فأن التليسكوب الراديوي هو أشبه بالأذن العملاقة التي ترصد الموجات الراديوية التي تنبعث من الأجسام الموجودة في أعماق الفضاء.
إن الموجات الراديوية هي موجات كهرومغناطيسية شبيهة بالضوء لكنها تملك أطوال موجية طويلة تتراوح من عدة ميلليمترات الى أكثر من ١٠ كيلومتر طولًا. ولأن هذه الأشارات الكونية تقطع مسافات طويلة في الفضاء، فأنها تكون ضعيفة بشكل كبير، وهذا هو السبب في حجم التليسكوبات الراديوية، فكلما كانت أكبر حجمًا، كلما زادت قدرتها على جمع المزيد من هذه الأشارات.
إن تليسكوب الصين الجديد هو من الضخامة التي يأمل فيها فريق العمل من أن يجمع الموجات الراديوية المنبعثة من أقاصي الكون. حيث سوف تكون مهمته هي البحث عن إشارات وجود الهيدروجين – إحدى اللبنات الأساسية المبكّرة في بناء الكون- في محاولة منهم لفهم كيفية تطور الكون.

كما سوف يقوم بالبحث عن النجوم الجديدة وعلى وجه الخصوص تلك النجوم بالغة الكثافة وسريعة الدوران والتي تُعرَف بالنجوم النابضة. وسيكون له دور أيضًا في البحث عن حياة خارج الأرض.
ويقول البروفيسور بينغ « إن البحث عن حياة خارج كوكب الأرض هو هدف مهم جدًا لكل تليسكوب، وللجمهور أيضًا، لذا أتوقع بأننا سوف نساهم بسرعة في هذا المجال».

أستغرق الأمر عشر سنوات من التصوير بالأقمار الصناعية للقرى الصينية من أجل إيجاد منخفض كبير يتلائم مع حجم التليسكوب. لكن البناء قد أنجز في وقت قياسي في خمس سنوات، حيث إن التليسكوب مكتمل تقريبًا في الوقت الحالي.
يتكون الصحن من ٤٤٥٠ لوح ثلاثي قد تم خفضه وتثبيته في مكانه بشق الأنفس. وفي حين إن الهيكل بمجمله كبير جدًا لكي يتم تحريكه، إلّا إن الواحه يمكن تعديل زواياها وتحريكها، وهذا يعني إمكانية إعادة تشكيل زوايا سطح التليسكوب لكي يسمح للعلماء بدراسة أي جزء سماوي يريدونه.

البروفيسور نان رين دونغ الذي يعمل في المرصد الفلكي الوطني في الأكاديمية الصينية للعلوم والذي كان العقل المدبّر لهذا المشروع الطموح، يقول بأن هذا التليسكوب كان أكبر تحدٍ في مسيرته. في بعض الأحيان، حدثت مشاكل عديدة لا يمكن تجاوزها، لدرجة أنه قد أراد الأستسلام لكن « في النهاية، وبالرغم من كل ذلك، وجدنا حلولًا».

في العصور القديمة، كانت الصين من الأمم الرائدة عالميًا في مجالات العلوم، واشتهرت باختراعاتها الأربعة ( البوصلة، صناعة الورق، البارود والطباعة) ولكن بمرور القرون، وضعت السلالات الحاكمة جُلّ تركيزها على الفنون مما أدى الى ركود التقدم العلمي. وفي الستينيات من القرن الماضي، في خضم فوضى الثورة الثقافية، أخذت الأمور تنحى سوءًا. الكثير من المثقفين والأكاديميين أجبروا على الأنتقال الى الريف، مما أدى الى توقف معظم الأبحاث العلمية. لكن مشاريع مثل التليسكوبات السريعة، ما هي إلّا علامات قوية للنهضة العلمية. في ٢٠١٣ تفوقت الصين في عدد الأبحاث ومعدل الأنفاق عليها وتنميتها على أوروبا، ومن المُتوقع أنها سوف تتجاوز أميركا بحلول سنة ٢٠٢٠.
وكشف تقرير من مجلة (Nature) بالنسبة لعدد الأوراق العلمية التي تم نشرها، أخذت الصين المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأميركية.

تقول شارلوت ليو، العضو في جمعية الصين للنشر العلمي « أعتقد إن في الصين، يوجد هناك أحساس بالعجلة، هناك شعور بأن في المئة سنة الماضية، كنا قد أضعنا العديد من الفرص لأننا لم نكن ننتج أبحاثًا، أما الآن فهي فرصة ذهبية من حيث التمويل والأعتراف المجتمعي الكبير للدور المهم الذي يمكن أن يلعبه العلم».
ولكن بالنسبة لأولئك الناس الذين يعيشون في ظلاله، فأن التليسكوب سوف يجلب لهم تغييرات غير مُرحّب بها. حيث أن القرى الواقعة بمسافة ٥ كيلومترات (٣ ميل) من التليسكوب، سوف تكون خاضعة لمنطقة السكون الراديوي، حيث بيّنت بعض التقارير بأن ألاف الناس من الممكن أن يتأثروا به. أي شي من الممكن أن يتعارض مع عمل التليسكوب، كأجهزة الموبايل وشبكات الوايرلس سوف تُحضَر، بالرغم من أن الحكومة قد قدمت تعويضات لكل من يرغب بمغادرة المكان، إلّا إن البعض منهم لم يكن سعيدًا. إحدى النساء أخبرتني بأنه سوف يكون من الصعوبة العيش هنا، وإنها سوف تضطر للأنتقال.
كما قال أحد الرجال بأنه في الوقت الذي يدعم المشروع، إلّا أنه غير راضٍ عن مقدار التعويضات المالية التي تقدمها الحكومة والتي هي غير كافية للأنتقال للمدينة، حيث أنه قد قرر البقاء في الوقت الراهن.

يقول العلماء بأنهم يتقبلون تضحيات الناس، لكنهم يأملون بأن التليسكوب سوف يقدم المساعدة للمنطقة. يقول نان ني دونغ «أنه سيجذب العديد من العلماء والسيّاح، كما أنه سوف يوفّر تعليمًا جيدًا للأجيال القادمة وسوف ينهض بالصناعة الصينية».
هذا المشروع يجري العمل به حاليًا وسوف يكون جاهزًا في سبتمبر المقبل. وسوف نرى أذا ما كان باستطاعته أن يجعل الصين تستعيد تاجها العلمي من جديد.

٢- الرؤية بعيون الخنازير:
داخل كهف بإضاءة سقفية، يوجد هناك صفوفًا متراصة من الخنازير التي تتجول في داخله. حيث تُعد لحوم الخنازير من الأعمال التجارية الكبيرة في الصين. وهذه المزرعة الواقعة في مقاطعة غوانغ دونغ في جنوبي البلد، تضم أكثر من ٢٠٠٠ خنزير.
فعندما يتم قتل الخنازير، تتم أزالة قرنياتهم – الطبقة الرقيقة الشفافة التي تغطي الجزء الأمامي من العين- وتوضع جانبًا لكي يتم زراعتها على البشر.

وبتحركنا لبضعة ساعات بالسيارة، وصلنا الى أكبر مستشفى للعيون في الصين (مركز تشونغ شان لجراحة العيون)، حيث تقع الصين في المركز الخامس على العالم بعدد المكفوفين، حيث يقدّر عددهم بثمانية ملايين نسمة من مجموع ١.٤ مليار.
وأثناء مشية الدكتور يان جين، فأنه يخبرني بأن أمراض القرنية هي المسؤولة عن ما يقدر بـ٣.٥- ٥ مليون من هذه الحالات. أصابة أو جرح القرنية، أذا لم يتم معالجتها فأنها سوف تسبب فقدان البصر، وللكثير من الناس، فأن عملية زراعة القرنية هي أملهم الوحيد، لكن قوائم الأنتظار طويلة جدًا.

في السابق، كان المصدر الوحيد لهذه الأعضاء هم السجناء المحكومون، لكن في السنوات الأخيرة، أوقفت الحكومة هذه العملية المثيرة للجدل وشجعت الناس، بدلًا من ذلك، على التبرع بقرنياتهم بعد موتهم. وعلى الرغم من ذلك، فأن القليل منهم يختار التبرع، كما يقول الدكتور يوان. لكنه اليوم يقوم بفحص عيون المرضى الذين يستخدمون قرنيات الخنازير.

منحت الحكومة الصينية في السنة الماضية الضوء الأخضر للقيام بالعمليات التجريبية، وقد تم أجراء ٢٠٠ عملية حتى الأن.
وو بينغ غوي، البالغ من العمر ٥٨ سنة كان أحدث المتلقين، حيث قد أصيبت قرنية أحدى عينيه بعدما دخلت حشرة فيها. يقول لي «إنني لم أخذ العناية الكافية لعيني وبدت بالأزدياد سوءًا، أصبحت حمراء ومتورمة ومؤلمة». وبالنهاية فقد بصره في تلك العين وخسر وضيفته كحارس أمني، ولكن وبعد ٢٤ ساعة من الجراحة، ها هو بصيص الضوء يعود لعينه مجددًا. لقد سألته فيما أذا كان متفاجئًا من زرع قرنية حيوان بعينه فأجابني “أنني لم أكن متفاجئًا، لقد كنت واثقًا من قرار الطبيب».

قبل ٣٥ سنة فقط، كانت شينزهِن مجرد قرية لصيد الأسماك. اليوم قد تم تحويلها الى مركز الأبتكار والطب التجديدي الصيني (CRMI) وهي الشركة التي تقوم بأجرائات زرع القرنية، اصبحت تملك مختبرها الخاص هنا.

يقول الدكتور شاو سينغ كانغ، الرئيس التنفيذي للشركة « لقد أقمنا التجارب على العديد من الحيوانات، الماعز، الكلاب، الخنازير والأبقار» مبينًا بأن الأمر قد استغرق عشر سنين. داخل المختبر، هناك العديد من القوارير التي تحتوي على قرنيات تمت إزالتها من الخنازير، دبقية الملمس ولها لون أبيض حليبي، وموضوعة تحت عملية تدعى بـ(decellularisation).

مبدأ هذه العملية هو أزالة خلايا الخنزير وحمضه النووي بالكامل والبروتينات والدهون، أي شيء بأمكانه أن يتسبب برفض انسجة المريض للقرنية. كل الفيروسات والبكتيريا يتم تثبيطها من أجل منع انتقال الأمراض من الحيوان للأنسان، هيكل القرنية الأساسي وسقالات الكولاجين هو فقط ما يتم أبقاؤه. وحالما يتم زراعتها، فأنها تتكيف مع خلايا الأنسان المريض. يُظهر لي الدكتور شاو المنتج النهائي للقرنية، والذي يكون أشبه بالعدسات اللاصقة.

استثمرت شركة (CRMI) ما يقدر بـ١ مليار ين صيني (١مليون يورو، ١.٥ مليون دولار) في تطوير هذه العملية، لكن الدكتور يوان يعترف بأن العلاج لا زال بمراحله المبكرة.

يقول «انه علاج مختلف عن العلاج الشائع، انه جديد كليًا، لذلك سوف يحتاج وقتًا لكي يتم معرفته واستقباله من قبل المستشفيات، المرضى والمجتمع».
تقول الشركة أن معدل نجاح العملية يقدّر بـ٩٠٪ وهو مساوٍ لعمليات زراعة الأعضاء. لكن البعض يعتقد بأن الصين تمضي بشكل سريع، متجاوزة العواقب الخطيرة، وغير مكترثة للقيم الأخلاقية.
زراعة الأعضاء الحيوانية عند البشر هي أحدى العمليات المثيرة للجدل التي تقوم بها الصين، بجانب عمليات التعديل الجيني للأجنة، الأستنساخ والعمل على الخلايا الجذعية. تجعل الصين رائدة في هذه المجالات بداخل المجتمع العلمي.
تقول شارلوت ليو « بعض الناس يعتقدون بأن الصين تقف على حافة العلم، بالتالي لديها الكثير من الرغبة والطموح في استكشاف أحدث التقنيات، لذلك فأن الجهد والوقت مطلوبان لمناقشة وفهم العواقب المستقبلية قبل الأقدام على شيء بشكل كامل. العلم لا زال فتيًا في الصين، وثقافة العمل العلمي والأخلاقي تحتاج الى وقت لتطويرها وزراعتها».
في داخل المستشفى، كان فحص عين وو بينغ غوي قد سار بشكل جيد، عينه ما زالت حمراء، لكن عملية الشفاء قد بدأت. هو يقول بأن هذا سوف يحدث فرقًا شاسعًا في حياته، وأنه يأمل بعد أن يتماثل للشفاء بأن يبحث عن عمل جديد.

٣- صائد الجسيمات:
وأنا أنزل تحت الأرض بعربة كهربائية، عابر من خلال نفق طويل قد تم نحته في الصخر، بأعمق مقدار تم انشاؤه أسفل جبل. يقول لي البروفيسور الفيزيائي كاو جون «الصخر هو من الغرانيت، انه صلب جدًا، وهو يوجد فوقنا بسماكة ٣٠٠ متر وهو بمثابة درع واقٍ لنا من الأشعة الكونية»
في هذه التجارب الواقعة تحت الأرض، في خليج دايا جنوب الصين، يقوم العلماء بدراسة إحدى أغرب الجسيمات في هذا الكون -النيوترونات.
يتم توليد النيوترونات من خلال التفاعلات النووية – من انصهار النجوم ومن التفاعلات النووية على الأرض- وتعد واحدة من الجزيئات الأكثر وفرة بالكون. تريليونات من النيوترونات تمر من جانبنا كل ثانية، لكننا لا نستطيع الشعور بها أو رؤيتها، انها لا تملك شحنة وبالكاد تملك كتلة، لقد تم وصفها بأنها أقرب للعدم من كونها شيء موجود.
ولكن أغرب من هذا كله، هو طريقة النيوترونات بالتغيّر باستمرار اثناء سفرها عبر الكون، والتبدّل بين ثلاثة اشكال أو -نكهات- كما يقول العلماء. أنها مثل رمي قطعة موزة بالهواء، فنراها تتحول الى برتقالة ثم الى تفاحة ثم ترجع موزة من جديد. لا يوجد نوع آخر من الجزيئات يقوم بذلك، أو على الأقل من تلك الجزيئات التي نعرفها.

لكن تجربة خليج دايا هي واحدة من التجارب القليلة حول العالم والتي تساعد العلماء بدراسة ومعرفة هذا السلوك الغريب. انها تبحث في مجال ثابت ومستقر من النيوترونات الناتجة من محطة الطاقة النووية القريبة. تحت الأرض وفي نهاية النفق، نصل الى قلب التجربة، مجموعة ضخمة من الأجهزة الكاشفة للجزيئات قد تم تنصيبها بالأسفل بأمكانها الكشف عن العديد الضئيل والنادر من جزيئات النيوترينو الموجودة بين الجسيمات العادية.

الكواشف قد تم تنصيبها بأماكن مختلفة، قد تبلغ عدة كيلو مترات. ومن خلال رؤية كيف إن اصطدامات النيوترينو تختلف من كاشف الى آخر، سيكون بمقدور العلماء بأن يرسموا كيفية تغيّر الجزيئات اثناء سفرها. يقول كاو جون «كل يوم نكتشف الآلاف من النيوترونات، انه عصر ذهبي، انه ملهم للحماس في مجال فيزياء النيوترينو».

وعلى وجه الخصوص، كان الفريق قادرًا على أن يحسب بدقة أكثر من أي وقت مضى احتمالية تقلّب النيوترينو من حالة الى اخرى. والنتائج قد لمحت باحتمالية وجود نكهة غامضة رابعة للنيوترينو بالرغم من إن ذلك لم يتم تأكيده بعد.
لقد كان عملًا ناجحًا حتى ان الفريق قد فاز في العام الماضي بجائزة دولية رفيعة المستوى. ليس سيئًا من اعتبار الصين الدولة الوحيدة التي بدأت بمثل هذا الأستثمار في الثمانينيات من القرن الماضي.

مثل الكثير من العلماء الصينيين، قضى وانغ الكثير من اوقات عمله في اميركا وايطاليا، كان من الممكن ان يصبح مثل باقي العلماء الذين يذهبون ولا يعودون، إلا ان عملية هجرة الأدمغة قد اصبحت بشكل معكوس. يقول وانغ يي فانغ، مدير معهد الطاقة النووية في الاكاديمية الصينية للعلوم حول هذا البحث «الان، نحن بدأنا نرى النتائج، اعتقد بأن المزيد والمزيد من الاستثمارات والفرص التي تقدمها الحكومة، سوف تشجّع العديد من الكفاءات والعقول الصينية بأن تعود لبلادها».
كما إن عودة العلماء يساعد على تقوية الروابط مع الدول الأخرى، يقول وانغ ان العلم الصيني لو استمر بالتقدم فأنه يحتاج للتعاون والعمل. ويقول «إن التعاون الدولي مهم جدًا للعلماء، وكلما كانوا أقل تعاونًا وعُرضة للمجتمع الدولي، فأن فرصهم نحو الريادة العلمية سوف تتضائل».

تثير شارلوت ليو هذه النقطة وفوائد الأنفتاح العلمي، حيث ان المسح الذي اجرته مجلة نيتشر، يقول بأن بعض العلماء الصينيون يترددون في تبادل نتائج ابحاثهم مع المجتمع لتوسيع نطاق البحث، وأن مثل هكذا نهج يؤدي الى نتائج عكسية. وتضيف «إننا ندعو للأنفتاح في مجالات العلوم وتبادل البيانات. ومن خلال الانفتاح وكفائة الابحاث، سوف نتوصل الى حلول، علاجات، أو الى منتجات جديدة أفضل من الحالية».

كما وجدت احصائية مجلة نيتشر بأن العلماء الصينيون يقعون تحت ضغوط شديدة لنشر عدد كبير من الأوراق البحثية العلمية، وأن الفشل في القيام بذلك يؤثر على التمويل.
يجادل بروفيسور وانغ بقوله «إن العديد من تلك الأوراق هي ليست ذات قيمة علمية كبيرة، لذلك فالأرقام ليست دليلًا على انك الأفضل، لذلك أنا أعتقد إن هناك وقت طويل أمامنا لكي نقطعه».

وفي مختبر النيوترينو تحت الأرض، فأن الفريق يتحضر للقيام بشيء أكبر. كاو جون اخبرني بأن الفريق مستعد للقيام بتجربة تالية ضخمة. «تلك التجربة ستكون أكبر. هنا، في كل كاشف لدينا ٢٠ طن من المواد الكاشفة للنيوترونات، في التجربة الجديدة سوف يكون لدينا ٢٠٠٠٠ طن».
وكما قامت الصين ببناء أكبر تليسكوب راديوي، فأن علمائها يفكرون بكسر رقم قياسي جديد وهذه المرة مع فيزياء الجسيمات- مع إصدار اكبر من مصادم الهيدرونات الكبير في سيرن.

٤- السباق نحو العمق:
في حوض لبناء السفن، على بعد ساعات من جنوب شنغهاي، اصوات الموسيقى تتعالى، الأسود الصينية تتراقص والبالونات الجلدية تتطاير في الهواء. حشود ضخمة تتجمع لمشاهدة سفينة البحث العلمي الصينية التي تدخل الماء للمرة الأولى. وبعد فتح زجاجات الشمبانيا، يتم قطع حبال السفينة.
هذه السفينة، مُجهز على متنها العديد من المختبرات والأجهزة العلمية، تستكشف في نهاية المطاف محيطات العالم. وأيضًا سوف تكون منصة لأطلاق الغواصات التي يمكنها الغوص الى أعمق أجزاء المحيط.
يقول البروفيسور تسو ويتشينغ، عميد جامعة شنغهاي في اعماق البحار وله شركة خاصة تدعى (رينبو فِش) ، قامت ببناء سفينة بحثية ومشغولة بتطوير الغواصات «إن مايعرفه البشر عن اعماق المحيطات هو أقل مما نعرفه عن سطح القمر والمريخ، لهذا السبب أريد تطوير مرافق خاصة لعلماء البحار لكي يصلوا الى اعماق المحيط».

وصلت أحدى الغواصات ذاتية القيادة الى عمق ٤٠٠٠م (١٣٠٠٠ قدم) في رحلتها الاخيرة، إلّا ان هدف شركة (رينبو فِش) هو ان يأخذوا البشر الى قاع المحيط- حيث يبلغ عمق خندق مارينا ١١٠٠٠م في المحيط الهادئ- . يُظهِر لي تسو النموذج الطبيعي للغواصة التي يأمل ان تغوص سنة ٢٠١٩، لونها احمر مشرق، طولها ١٠ امتار ولها تصميم بسيط. ويوضّح بأنه سوف تكون هناك قبة بداخلها لطاقم من ثلاثة اشخاص، محمية من قبل كرة معدنية سميكة. إذ لا بد لها ان تصمد امام ضغط الماء الموجود اعلاه وألا سوف تنهار.
إن المحيطات العميقة هي من الأماكن القليلة التي اكتشفها الناس في أي وقت مضى. وقد أجريت عملية الغوص الأولى في خندق مريانا عام ١٩٦٠ من قبل ملازم البحرية الأمريكي دون والش والمهندس السويسري جاك بيكار. سفينتهم، غواصة الاعماق تريستا، نزلت الى ما يقرب خمس ساعات.
كما ان الحملة المأهولة الوحيدة التي اجريت، كانت من قبل المخرج الهوليوودي جيمس كاميرون الذي اخذ يغوص منفردًا في غواصة خضراء زاهية عام ٢٠١٢.

شركة (رينبو فش) تريد الرخصة لكي تكون التالية، لكن الحكومة الصينية تفكر بشكل أعمق، فغواصتها المأهولة التي صممت من قبل تسو قبل أن يؤسس شركته الخاصة، قد قامت بأكثر من ١٠٠ غطسة ووصلت الى عمق هائل يقدر بـ٧٠٦٢م (٢٣,١٦٩ قدم). تخطط الحكومة الان لبناء سفينة جديدة من شأنها استكشاف أعمق الخنادق، ويشدد على أن يكون هدفها علمي بحت، لكن التوتر على مياه المحيطات قائم حاليًا. فالصين تشارك في الصفوف الاقليمية لبحر الصين الجنوبي، ولها وجود عسكري متزايد هناك ويخشى البعض من ان التكنولوجيا البحرية سوف تجعلها مسيطرة على المياه المتنازع عليها.

فريق (رينبو فِش) يصر على إن مشروعه ليس سياسيًا، كما انهم يتطلعون للتعاون مع علماء اميركان و روس وأوروبيين، إنها أذن عملية تجارية. الشركة تهدف الى حث الناس على استخدام سفينة ابحاثهم وغواصاتهم وهي تستهدف ثلاث مجموعات، كما يقول المدير الدكتور وو تشن.
«ستكون المجموعة الأولى بالطبع، هي مجموعة العلماء المهتمين بدراسة أعماق البحار والمحيطات، أما المجموعة الثانية ستكون من الشركات الخارجية وشركات النفط، أما المجموعة الأخيرة فسوف تضم الناس الذين يودون بأنفسهم النزول الى الأعماق واكتشاف ما يجري هناك».

هذا النهج في طريقة تنظيم المشاريع من الممكن ان يكون نموذجًا جديدًا من العلوم في الصين. حيث يرى تسو ويشينغ إن الأبتعاد عن التمويلات الحكومية للبحوث سوف يجعلنا أكثر حرية من قبل، كما أن المشاريع التي تمولها الحكومة غالبًا ما تكون بطيئة.
«أعتقد بأن الحكومة لم تعثر على طريقة صحيحة حتى الأن في أدارة وتمويل البرامج العلمية التي تمكّن العلماء الصينييون من التركيز على أبحاثهم، انهم يحتاجون التفكير بذلك المنحى فيما يتعلق بأصلاح الأتجاه العلمي».
البحث في أعماق البحر صعب، و ذو مخاطر عالية، كما ان الكثير من مناطق المحيط تبقى غير مُكتَشفة. لكن تسو، الذي يأمل بأن يكون أول صيني يستكشف أعماق خليج مريانا، يعتقد بأن الأمة الصينية قادرة بحق على فتح هذه الحدود النهائية.

٥- الفضاء المفتوح:
في متحف بكين للعلوم والتكنولوجيا، أرى حولي الأطفال يتقافزون هنا وهناك، يتسلقون نموذجًا من محطة فضاء، يقومون برحلات قصيرة اختبارية. أحد الأطفال قال لي « أن الفضاء ممتع جدًا ورائع» عندما سألته عن طموحاته، فأخذ يفكر للحظة ثم قرر أن يكون رائد فضاء صيني عندما يكبر. برنامج الفضاء الصيني هذا قد استولى على خيال الأطفال، وهم يشعرون بالوطنية والفخر تجاه أنجازات بلادهم هذه.
عصر الفضاء الصيني كان قد بدأ في ٢٤ من شهر ابريل لسنة ١٩٧٠، عندما تم أطلاق قمر صناعي ثقيل وكروي الشكل يدعى دونغ فانغ هونغ ١ ، عندما انطلق للفضاء لكي يمجّد فضائل الرئيس ماو.
في العقود التي تلت ذلك، ومع أطلاق المزيد من الأقمار المدارية والمسابير ورواد الفضاء، قادت البلاد لكي تصبح بسرعة كقوة فضائية كبيرة، إلّا أن هذه العملية قد اتسمت بالسرية لسنوات عديدة. وفي حين إن العديد من وكالات الفضاء بالعالم، كناسا ووكالة الفضاء الأوروبية وروزكوسموس هي منظمات مدنية، إلّا ان برنامج الفضاء الصيني يقوده الجيش لكن هناك دلائل على إن ذلك بداية الأنفتاح.

في مكتبه في بكين، البروفيسور وو واي رين، كبير مصممي برنامج السفر الى القمر والتي قامت في عام ٢٠١٣ بعملية هبوط مسبار فضائي على سطح القمر منذ ٤٠ عامًا. يشير بفخر الى النقطة التي نزلت فيها مركبة يوتو واضعة علم الصين هناك. يقول مبتسمًا «إن الصينيون متواضعون ومنطوون على أنفسهم، إننا لا نتحدث كثيرًا قبل أن ننجز شيئًا، كما لا نتحدث بعد إنجازه أيضًا».
ولكن في هذه المقابلة – الأولى مع صحفي أجنبي- قد انتهج بوضوح نهجًا مختلفًا، حيث يشير الى ان وظيفته تجعله تحت ضغط عالي «برامج الفضاء لدينا تركّز على النجاح، أنها ليست بحوث عادية يمكن أن تفشل. فأذا فشلنا، سوف يكون التأثير هائلًا. كل المصمين والرؤساء يعملون تحت ضغط عالي جدًا، وهذه إحدى الأسباب التي تجعلنا مترددين في الأفراط في النشر العلمي».
يروي لي عن برنامج الصين الجديد في الأكتشاف، والذي يتضمن العودة مجددًا الى القمر. وهناك خطط للقيام بمهمة جلب عيّنات من الصخور من سطح القمر، وأيضًا مهمة زيارة الجانب الأخر من القمر والتي من المؤمل حدوثها سنة ٢٠١٨.
يقول وو «هبط كل من الأتحاد السوفيتي وأميركا على سطح القمر المواجه للأرض، ولم يزوروا الجانب الأخر، إنها مهمة صعبة جدًا»

الصين تضع نصب أعينها الكوكب الأحمر أيضًا، ففي مؤتمر صحفي عُقد مؤخرًا، أعلنت إنها تريد أطلاق بعثة لكوكب المريخ عام ٢٠٢٠. ويضيف « إننا سوف ندور، ونقوم بإنزال مسبار وننشر روفر على المريخ، كل ذلك في زيارة واحدة».
ولكن بالنسبة للصين، فأن الزيارات التي تحتوي على رواد فضاء، سوف تكون لها الأولوية. في سنة ٢٠٠٣، اصبح يانغ لي وي أول رائد فضاء صيني. لقد قضى ٢١ ساعة في الفضاء ورجع كبطل قومي، تبعه تسعة أخرون. وفي هذه السنة تخطط الصين لأن تبعث مجموعة أخرى.
لكن المكان الوحيد الذي لا يمكن لرواد الفضاء الذهاب اليه هو محطة الفضاء الدولية. أميركا تقول بأنها لا تستطيع العمل مع وكالة الفضاء الصينية لأنها تُدار من قبل الجيش وهي تخشى من أن تقاسم التكنولوجيا من الممكن أن يؤدي الى إضرار الأمن القومي الأميركي.

يقول وو وي رين إن الصين حريصة في التعاون مع أوروبا وروسيا في مشاريع أخرى، لكن أميركا ما زالت نقطة خلاف. يقول « لقد قمنا بحثّهم عدة مرات على التخلص من القيود التي تمنع أن يتعاون علماء البلدين من أجل البحث».
الحل الأمثل للصين في الوقت الراهن هو بناء محطة فضاء خاصة بها. نموذج مختبر الفضاء، تيانغ غونغ ٢، سوف يتم تشغيله هذه السنة، والنموذج الأكبر سوف يلحقه. هذا يظهر عزم الصين بعدم السماح لأي شيء بأن يقف في طريقها، كما إن التقدّم السريع في الفضاء، يعكس التقدّم في المجالات العلمية الأخرى.

في شهر مارس، عندما أعلنت الحكومة عن خطتها للسنوات الخمسة القادمة في مجلس النواب، استخدمت كلمة الأبتكار عشرات المرات. وفي المرحلة التالية من التطور، ترغب الصين في الأنتقال من كون اقتصادها قائم على التصنيع الى أقتصاد قائم على المعرفة. إن النمو السريع للأقتصاد الصيني يتباطأ، لكن الحكومة تضع الأبحاث في قلب خططها المستقبلية، وبحلول عام ٢٠٢٠، تريد الحكومة أن تستثمر في العلم لكي يعوض نسبة ٢.٥٪ من الناتج القومي الأجمالي.
تقول شارلوت ليو «إن الحكومة ملتزمة جدًا لمواصلة الأستثمار العلمي، ولأعطاء العلم دورًا بارزًا في العقد المقبل. إن التركيز لا ينحصر فقط على كمية الأنتاج العلمي أو حتى نوعيته، بل على أثر العلم. فكيف إن العلم سوف يدفع الى الأبتكار والنمو الأقتصادي وكيف إنه سوف يحل المشاكل الأجتماعية الكبيرة والمشاكل البيئية في السنوات الـ٢٠ المقبلة».

تمر الصين حاليًا بنقطة تحول واضحة، حيث إن المال قد تم استثماره، والعقول الكبيرة قد تم إرجاعها، والمشاريع العملاقة على وشك أن تبدأ عملها، لكن هناك عدة مشاكل تتحداهم متعلقة بالأخلاق، التعاون العلمي، الأنفتاح ونوعية الأبحاث. العالم متشوق الأن في أن يرى الى أي مكان سوف تصل هذه الثورة العلمية وفيما إذا باستطاعة الصين في أن تتحول الى قوة علمية