دراسات تخصصّية |

وسائل الإعلام و الإعلام الديني

| مشاهدات: 293

وسائل الإعلام و الإعلام الديني

وسائل الإعلام و الإعلام الديني

الإعلام الديني كان إلى مرحلة ليست ببعيدة محلّ البحث لدى الأكاديميين والإعلاميين المتخصصين في المجال الإعلامي, فكلّ فردٍ منهم ينظر له من ناحيةٍ ما..

فهناك من ينظر إليه من الناحية الفكرية .. وهناك من ينظر إليه من الناحية التقنية .. وهناك من ينظر إليه من الناحية الفنية … وهناك من ينظر إليه من جهة القائمين عليه وكوادره ..

وقبل الولوج إلى أصل مطلب البحث, فلنعرض تعريفات نحتاجها في تناول هذا البحث:

أولاً :

التعريف اللغوي: كلمة ( إعلام ) .

( إعلام ) كلمة مشتقة من الجذر ( عَلِمَ ) ومعناه ( المعرفة والتيقن من الشيء ) .

وهذا الجذر قد يستخدم جمع لـ ( إعلامات ) فيكون إعلامٌ بالشيء.. وقد يستخدم من أعْلَمَ .. أي أوصل المعلومة وأخبره من خلال شيء أما بالمشافهة وأما بالمكاتبة.

ثانياً :

الاصطلاحي: هي الوسائل التي يتم إيصال معلوماتٍ ما من خلال الأدوات المقروءة أو المسموعة أو المرئية للآخرين, ويهدف إيصال المعلومات إلى التأثير على الرأي لتلك المجموعة المستهدفة وقيامها برد فعل مطلوب من الجهة المرسل إليها , ويكون رد الفعل هذا يصب في صالح الجهة المرسلة لتلك المعلومات حسب الاستراتيجية المرسومة .

*لكن ما الفرق بين البلاغ وبين الإعلام ؟

بلَّغ : هو الوصول إلى الحد الأعلى والمرتبة المنتهى.

هناك بونٌ شاسعٌ بين علَّم وبلَّغ ..

أي بين الإعلام وبين الإبلاغ ..

وبما أنّ المعارف البشرية أصلها إلهي وقد تعلّمها البشر من النبي الأول وهو ( آدم عليه السلام ) , فإنّ أوّل مسألة سنناقشها هي أنّ آدم في مقام توريث نبوته لابنه ( شيث – هبة الله عليه السلام ) والذي كان وارثاً للنبوة من بعد مقتل أخيه الأكبر ( هابيل عليه السلام ) على بحجرٍ بيد أخيه ( قابيل لعنه الله) هل أورثه (علماً أم بلاغاً ) ؟؟

الجواب: أنّه ورث علماً .. ووظيفته هو ( بلاغ هذا العلم وتوريثه ونشره ) ..

فالعلم الذاتي الذي نزل به آدم عليه السلام وأوحى الله به إليه هو ( علمٌ إلهيٌّ ) تلقاه بالوحي ..

أما علمه الحصولي : فقد حصل عليه بتطبيق علمه الحضوري ( الذاتي ) على ما وجده في العالم الأسفل وهي الدنيا ..

وقد أورث آدم عليه السلام هذان العِلْمَينِ لهبة الله ..

ومن بعد ذلك استمرت مرحلة الصراعات بين الحفاظ على العلم الإلهي النقي الخالص النازل من الملكوت الأعلى إلى العالم الأسفل ..

وبين وثنية قابيل الذي حينما عَلِمَ بأنّ هبة الله هو النبي الوارث لآدم عليه السلام قام بتحذيره وتهديده بأنّه إذا ما أظهر أيَّ علمٍ من علومه فإنّه سيتعرض للقتل كما تعرّض أخيه الأكبر ( هابيل عليه السلام ) لذات الجريمة ..

فأخفى ( هبة الله ) أنّه وصيَّ أبيه ووارث أسرار النبوة والعلم الإلهي تقيةً من أخيه القاتل المجرم قابيل, وبعد ذلك أورث هبة الله العلمَ الإلهي وأسرار النبوة إلى ( ريسان ابن نزلة ) ..

ثمّ اشتدت المحنة على قبيلة أبناء هبة الله في زمن نبي الله ادريس عليه السلام, حيث ظهر السحر على يد قبيلة بني راسب وهي قبيلة من نسل قابيل, فصبروا خوفاً على حياتهم ودينهم رغم الأخطار المحيطة بهم من الإغراق في الكفر والسحر والشعوذة..

وبقي الحال على ما هو عليه إلى أن جاء زمن نبي الله نوح عليه السلام فبدأت المرحلة التاريخية الجديدة..

وهي ( الدعوة ) إلى عبادة الله .. إلى التوحيد .. إلى ( إظهار العلوم الإلهية النازلة مع آدم من عالم الملكوت ) رغم ( التحريفات والتشويهات والكفر والسحر والوثنية ) المحيطة به ..

وهنا يأتي دور ( البلاغ ) .. وهو ( نشر المعارف الإلهية ) بين البشر.. لتتحول هذه المعارف إلى مفاهيم راسخة في ذوات البشر.. فيتغير سلوكهم من ( الحالة الوثنية ) إلى ( الحالة التوحيدية) ..

وكيفَ يكونُ هذا البلاغُ إذن ؟؟

يكونُ هذا البلاغ من خلال ( إعلام ) البشر عن ( المعارف الإلهية ) , وكانت الوسيلة الوحيدة في ذلك الزمان هو ( الصوت ) ( الحنجرة البشرية ) للنبي والرسول..

الحديث والكلمة الطيبة .. الترغيب والترهيب.. التبشير والإنذار ..

وبعد مرحلة ( الإعلام ) تأتي مرحلة متأخرة وهي مرحلة ( التعليم ) و ( الشريعة ) , بعد أن يعتقد ذلك الإنسان بصدق ما جاء به هذا الرسول أو هذا النبي .. وبعد التسليم المطلق ( لعقل التابع البشري) لدعوة ( الرسول الإلهي ) ..

إذن ( البلاغ ) هي مرحلة ثانية بعد مرحلة (الإعلام ) عن ( المعارف الإلهية ).

وأما الرسول فوظيفته حددها الله سبحانه وتعالى بـ ( البلاغ ) :

( فهل على الرسول إلا البلاغ المبين )

أي نفس بلوغ الأحكام التي توحى إليهم, فهم موظفون في قبال البلاغ وتحققه من حيث هو في الخارج, من دون نظر إلى نسبته إلى الفاعل أوالمفعول, أي إلى جهة الصدور كما في أفعلَ أو إلى جهة الوقوع كما في صيغة فعّلَ, فليس للرسول موضوعية ولا لمن يُبلَغ إليه, بل المنظور بيان البلاغ ووضوحه في نفسه- هذا بلاغٌ للناس.

وفي الإيصال إلى منتهى مقصد: ( أبلَغْتُكم رسالاتِ ربي )

وفي مقام الإشارة إلى وقوع البلاغ فيهم : ( أُبّلِّغُكُم رسالاتِ ربي )

وهنا يجرنا البحث إلى لفظ ( عَرَفَ ) .

عَرَف : هو اطلاعٌ على شيءٍ وعلمٌ بخصوصياته وآثاره, وهو أخص من العلم, فإن المعرفة تمييز الشيء عما سواه وعلم بخصوصياته, فكل معرفة علم ولا عكس.

( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها )

الإنكار مقابل العرفان: فإن الإنكار هو عدم الاعتراف والقبول وانتفاء التمييز والاطلاع. فالمعروف ما يكون متميزاً ومشخصاً في نفسه ومن حيث هو أو عند شخص وفي نظره.

والمراد من المعروف في نفسه : أن يكون معروفاً في الحقيقة وفي متن الواقع بحيث يقبله العقل السالم ويعترف به ويميِّزه, ثمّ يعرفه الشرع موافقاً للعقل وتبعاً للحق.

كما أن المنكر أيضاً عبارةً عمّا ينكره العقل السليم ويخالف الحقّ والشرع.

وهنا نريد أنّ نبيّن أنّ ( بلاغ العلم الإلهي ) يحتاج ( إلى وسيلة إعلام ) لكي ( تصل إلى البشر ) ومن ثمّ حسب قناعاتهم ( يسلّمون عقولهم إلى تلك الوسيلة ) لينهلوا من ( العلوم الإلهية ) من خلال تلك الوسيلة ( شفهية كانت ) أو ( مكتوبة ) أو ( مرئية ) ..

الآن لنسلّط الضوء على لفظ ( الإعلام ) بشكل أكثر تخصصية :

الإعلام‏:

[في الانكليزية]Information

[في الفرنسية]Information

لغة هو الإخبار و هو أعم من الإلهام.

و عند المحدّثين هو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب روايته أو سماعه مقتصر عليه، فجوّز الرواية به كثير من الفقهاء و المحدّثين و الأصوليين، و مال إليه المتأخرون، و قطع بعض الفقهاء بعدم الجواز، كذا في خلاصة الخلاصة.

و في شرح النخبة يشترط في الإعلام الإذن في الرواية و إلا فلا عبرة بذلك.

وهنا لابد أن نتعرف على معنى الإلهام المذكور في التعريف أعلاه :

الإلهام:

[في الانكليزية]Inspiration ،revelation

[في الفرنسية]Inspiration ،revelation

بالهاء لغة الإعلام‏ مطلقاً و شرعاً إلقاء معنى في القلب بطريق الفيض أي بلا اكتساب و فكر و لا استفاضة بل هو وارد غيبي ورد من الغيب، و قد يزاد من الخير ليخرج الوسوسة.

و لهذا فسّره البعض بإلقاء الخير في قلب الغير بلا استفاضة فكرية منه. و يمكن أن يقال استغنى عنه لأن الإلقاء من اللّه تعالى لأنه المؤثّر في كل شي‏ء. فقولهم بطريق الفيض يخرج الوسوسة لأنه ليس إلقاء بطريق الفيض بل بمباشرة سبب نشأ من الشيطان و هو أخص من الإعلام إذ الإعلام قد يكون بطريق الاستعلام.

و هو أي الإلهام ليس سبباً يحصل به العلم لعامة الخلق و يصلح للإلزام على الغير، لكن يحصل به العلم في حقّ نفسه ( كإلهام الله لعبدٍ من عباده بأن يقوم بالأمر الكذائي, وتكون نتيجة قيامه بهذا الأمر مساعدة شخص محتاج لو لم يلهم الله ذلك العبد بمساعدة هذا المحتاج لمات هذا المحتاج ).

إذن ( الإعلام ) هي وسيلة تواصل بين ( العلم ) – والفكرة والإيديولوجية والسياسة والثقافة والسحر والشعوذة والخير والشر – وبين ( البشر ) أي الإعلام في الحقيقة هو ( وسيلة عرض وإيصال وتواصل ) ( لمعاني ومفاهيم) على ( العقل والنفس البشرية ) ولها حريّة الإختيار في اعتناقها أو في رفضها ومحاربتها.

الإعلام الديني
الإعلام الديني هو نسبة الإعلام – ( وسيلة أو أداة التواصل )- التي من خلالها ( نقوم بعرض المعاني والمفاهيم الدينية ) على ( العقل البشري ) , إلى الدين .

والأصل في الإعلام الديني الذي مارسه أول نبي من أنبياء الله إلى آخر نبي صلوات الله عليهم أجمعين كان عبر ( المشافهة ) , الحديث , الحوار , الكلمة الطيبة , التبشير, الإنذار, الترغيب , الترهيب, المحاورات العقلية والنفسية بالرجوع إلى أصول الأشياء والفطرة الإنسانية والمباحث الفلسفية الوجودية التي تبحث أصل وجود هذا الإنسان الذي بابتعاده عن ميراث آدم عليه السلام وأبنائه فإن استيعابه بأنّه مخلوق من أب اسمه ( آدم ) وأم اسمها ( حواء ) , سيكون صعباً وأنّ نسبة خلقه لله ستحتاج الأدلة والبراهين لكي يسّلم بأن ( الله ) هو الخالق هو الرب الحقيقي بين أرباب اصطنعتها وثنية ( قابيل ) وسلالته الشيطانية .

وهنا يأتي دور ( النبي ) , ( الرسول ) في زمن الوحي إلى الاستفادة من ( المشافهة ) لدعوة الآخرين إلى ( الاعتقاد بالعلوم الإلهية ) التي وظيفة (النبي ) البلاغ والابلاغ بها إلى سائر البشر.

إذن فإنّ لفظ ( الإعلام ) يؤدي إلى ذات المعنى الذي يؤديه لفظ ( الدعوة ) ..

فإن هدف الإعلام أياً كان صاحبه هو في واقع الأمر ( دعوة ) , يقوم بواسطتها ( صاحب الدعوة ) إلى ( دعوة الآخرين ) إلى ( المعاني والمفاهيم ) التي يريد أن ( يعتنقها الأخرين ) من خلال إيصالها عبر ( الوسيلة الإعلامية ) إلى ( ذهنه ) و ( عاطفته ) و ( شهوته ) و ( رغبته ) , فإذا ما تحقق ذلك فإن صاحب الدعوة ( يقوم بتوجيه العقل المستقبل لتلك الدعوة ) إلى الطريق الذي يريد.

وهنا يأتي ( دور ذلك العقل ) فهل يسلّمه تمام التسليم !!!

أم ( يبقى هناك دوراً للتفكير والمراجعة والمقارنة ) ؟؟

التفاوت الحاصل في ( درجة التسليم ) إنما يحصل بـ ( مدى نسبة الإيمان المتوقدة ) لـ ( مستقبل الدعوة ) والمرسلة إليه , بـ ( مرسل الدعوة ) والمُرْسَل.

وأما بَعد زمن ( متلقي الوحي ) أي زمن خلو وجود ( معصوماً يتلقى الوحي الإلهي من الله بشكل مباشر ), فإنّ ( تلاميذ المعصوم ) هم من يقومون بهذه الوظيفة وهي وظيفة ( الدعوة ) .

وهنا تتوضح الصورة بأن ( الإعلام الديني ) هو في حقيقته ( دعوة ).

ومن خلال السياق التاريخي نعلم بأنّ على وجه الأرض دعوتان :

الأولى : إلهية – الدعوة الإلهية – ( يمثلها النبي والمعصوم الذي يُوحى إليه مباشرة ً من الله , ولديه علوم آدم عليه السلام التي ورثها بالتسلسل الغير منقطع )

الثانية: شيطانية – الدعوة القابيلية – ( يمثلها إبليس لعنه الله بوحيه للقابيليين والإيغال في حرف فكرهم عن الحقائق الإلهية ) – وأقصد بالدعوة القابيلية هي إيمان نسبي بالله مع تحميل ذلك الإيمان قراءات بشرية بعيدة عن الوحي, وذلك بتزيين الشيطان للإنسان تلك الأفكار وأنّها هي الحقيقة بذاتها وما سواها وهمٌ أو خيالٌ أو عدم – .

وكل واحدٍ منهما لديه ( دعوة ) تحقق ( أهدافه في جرّ العقل البشري إلى الإيمان والاعتقاد ) بما يريد.

لكن يأتي السؤال التالي :

في زمنٍ لا يستطيع الإنسان التمييز بين ( الدعوة الإلهية ) وبين ( الدعوة القابيلية ) , ماذا نفعل ؟؟
تقول الدكتورة عواطف عبد الرحمن :

( أنه أصبح مستحيلاً بالنسبة للإنسان المعاصر أن يحدد وجهة نظره أو موقفه أو التزامه إزاء مشاكل وقضايا العصر بدون الاستعانة بالمعلومات التي لا توفرها إلا وسائل الإعلام, ولذلك أصبحت عمليات تنظيم المعلومات ومناهج الإعلام وما ينشأ عنها من دعاية وحرب نفسية في ظروف العالم المعاصر قضية سياسية واجتماعية وعلمية بالغة الخطورة لا تؤثر فقط في صياغة وجهات نظر الناس وفي العلاقة بين الطبقات والقوى الاجتماعية, ولكنها تؤثر أيضاً في العلاقات بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة )

وهذا الأمر الخطير يدعونا إلى التعاطي مع ( وسائل الإعلام المختلفة ) بأمرين هامين :

الأول: التوسع في العلم والمعرفة.

الثاني: إعمال العقل وعدم التسليم بأمرٍ ما , إلا من خلال عرضه على الأصول العلمية والمعرفية والتحقق منه.

لماذا ؟؟؟
لأن التسليم بأيّ ( محتوى إعلامي ) سيجرنا إلى ( عقيدة ) ثم ( سلوك ) , فإذا كانت ( العقيدة إلهية ) فإننا سنقوم بإعمار الأرض ونشر المحبة والسلام فيها ( إني جاعل في الأرض خليفة ).

لكن إذا ما كانت تلك ( عقيدة قابيلة ) فإنّ الدمار والخراب والقتل هي السلوك الذي سينتج من خلال تلك العقيدة.

وهنا لابد من الحذر من ( السيطرة الإعلامية ) ..

وهي ( إغراق المستقبِل والمرسل إليه – الدعوة ) بشتى أنواع ( الرسائل الإعلامية : صوتية – مرئية – مكتوبة ) , وكلّما ( وجَّه حواسَّه الخمسِ لها ) فإنها تنفذ بداخله بطريقتين :

الأولى : باختياره من خلال عقل الواعي, فيتأدلج ويعتقد بـ ( العلم ) المُرسل إليه .

الثانية : رغماً عنه من خلال عقله اللا واعي, فتبقى في مخازن عقله الرافض لها, إلى أن تأتي شبهة, أو إشارة , أو هرطقة , أو مغالطة, فتخرجها من ذلك المخزن على أنها حقيقة, فيتأدلج أيضاً ويعتقد بها – لكن بشرطية جهله بالعلم الحقيقي المضاد لهذه الفكرة – , فإن كان عالماً فإنّها لن تؤثر به, وستبقى في مخزن عقله – من باب العلم بها فقط – ولا تأثير خارجي في سلوكه بسببها.

إذن ( تسليم العقل ) لـ ( الوسيلة الإعلامية ) سيكون طريقاً إلى ( صناعة الوعي ) , فالإنسان الواعي سيتجه إلى ( العلم الإلهي ) ليميّز الرسالة المرسلة إليه, وسيتصرف كما يتصرّف ( النبي أو الرسول لو كان موجوداً, وسيسلك ذات المسلك الذي كان سيسلكه) .

وأما الإنسان الغير واعي فسيكون ( حطباً ووَقوداً لنارِ غَيرِه ) من القابيليين.

يقول الدكتور مختار التهامي:

( أن الجمهور المطلع المتابع للأحداث يكون دائماً أسرع إلى تكوين آراء محددة ذات طابع متزن بعكس الجمهور غير المطلع البعيد عن متابعة الأحداث, فهذا الصنف الأخير من الناس يكون عامة أبطأ في تكوين رأيه, مذبذباً في اتجاهاته, فريسة للإشاعات والانحرافات ويتسم رأيه في النهاية بالتطرف والنظرة السطحية للأمور وتغليب العاطفة على العقل)

فتثور ثائرته, للقتل والتدمير والحرق والخراب, والإفساد, وللسرقة , ولقلب الأنظمة السياسية المستقرة الآمنة التي باستقرارها تنمو المجتمعات والحياة تتحسن إلى الأفضل ( محققةً هدف الاستخلاف في الأرض وهو الإعمار وتوحيد الله الخالص ) , ويضع مكانها أنظمةً ظلاميةً رجعيةً تحكمُ وفق الخصائص ( القابيلية ) .

طائفية الإعلام
( الوحيانية ) منهلها واحد, وهو الله سبحانه وتعالى .

وكل أنبياء الله لو اجتمعوا في مكانٍ واحدٍ لما اختلفوا في أيِّ أمرٍ من الأمور..

فدينهم التوحيدي واحد, وأما الشرائع والممارسات العبادية فهي بأمر الله سبحانه وتعالى لكل رسول من رسله صلوات الله عليهم أجمعين.

وهاهو الإنجيل في انجيل بطرس يؤكد هذا المعنى بأنّ ما لدى النبي هو من الله وليس من نفسه “لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بطرس 1: 12).

فلو افترضنا بأنّ عدداً من أنبياء الله اجتمعوا في مكانٍ واحدٍ وكان لكلِّ واحدٍ منهم شريعةً..

لوجدتهم في كلّ عقائدهم وتوحيدهم وأفكارهم كالشخص الواحد, لكن حينما تحين صلاةُ أحدهم, فإنهم سيصلون وفق الشريعة التي أمرهم الله سبحانه وتعالى بها.

ولهذا تُعتبر ( الأسس الوحيانية ) هي الطريق المشترك للتعايش والتسالم وفق مبدأ ( أخٌ لك في الدين), أو ( نظيرٌ لك في الخلق ).

وأما الإختلاف فلم تأتِ إلا من الاجتهادات البشرية لتقريب الوجهة الأقرب لما فهموه من الأنبياء وتعاليهم, إذ أن التوحيد أساس دعوة الأنبياء و يبين تاريخ الأنبياء أنّهم بدأوا دعوتهم جميعا من التوحيد و نفي الشرك و نفي عبادة الأصنام أيّا كانت، و الواقع فإنّ أي إصلاح في المجتمعات الإنسانية لا يتيسر بغير هذه الدعوة، لأنّ وحدة المجتمع و التعاون و الإيثار كلها أمور تسترفد من منبع واحد و هو توحيد المعبود.

و أمّا الشرك فهو أساس كل فرقة و تعارض و تضاد و أنانية .. و ما إلى ذلك ..

و ارتباط هذه المفاهيم بالشرك و عبادة الأصنام بالمفهوم الواسع غير خاف على‏ أحد! الشخص الذي يدور حول نفسه- أو يجرّ النّار إلى‏ قرصه‏- يرى نفسه فحسب، و لهذا فهو مشرك، لأنّ التوحيد يذيب (الأنا) و الذات الفردية في محيط اجتماعي واسع عريض، و الموحّد لا يرى شيئاً سوى واحد كبير، أي أن جميع المجتمع الإنساني عباد اللّه! و الأشخاص الذين يطلبون الاستعلاء مشركون من نوع آخر، فهم في صراع مع أبناء جلدتهم و يرون منافعهم منفصلة عن منافع الآخرين، فهذا التجزؤ أو ( هذه الازدواجية) ليس إلّا شركاً في أوجه مختلفة.

من هنا بدأ الأنبياء في سبيل إصلاح المجتمع بالدعوة الى توحيد المعبود ( اللّه)، ثمّ توحيد الكلمة، و توحيد العمل، و توحيد المجتمع.

إذن الطائفية ما هي إلا ( شركاً من نوعٍ آخر ) , إذ كل طائفة تدعو إلى نفسها لا إلى الله , وتختزل الله لها هي فقط وفقط, بينما الأنبياء لم يدعوا إلا لتوحيد إلهٍ واحدٍ وإن تعددت طرقهم في العبادة لله.

إذن ( الإعلام الطائفي ) ما هو إلا ( إعلامٌ قابيليٌ ) يواجه بأدواته وخطابه الأحادي لجر النار إلى قرصه لعبادة الأنا المتضخمة في ذوات أصحابه, فلهذا نجد التناحر والتقاتل ( وفق المذهب أو الطائفة ) بينما لو اجتمعوا على ( كلمة الله ) لما اختلفوا ولم يتفرقوا .

فهذا الله سبحانه وتعالى يوضح في سورة آل عمران رغبته في اتحاد عباده من جميع الأديان الوحيانية على مبدأ واحد وهو التوحيد (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) ) .

وأما اتخاذ بعضهم البعض أرباباً , هو أن الحب ولوازمه من طاعة وقداسة المحبوب إنما يكون لله سبحانه وتعالى لا للكاهن أو الحاخام أو القسيس أو المرجع الديني, فإذا ماكان أحد رجال الدين يدعو للكلمة السواء فهو يدعو لما يدعوا له الأنبياء, وإن كان يدعو لنفسه, وقداسة نفسه , ولأفكاره التي تسبب الاختلاف والفرقة والرجعية والبدعة وانتشار الخرافات, فإنما هو يدعو إلى الشرك به من دون الله – والعياذ بالله – .

وهذا المعنى في أنّ الإنسان إذا ما ترك ( الكلمة السواء ) وهي الوحيانية واتبع ناسوته كمشرّع لنفسه فإنه سيكون ذو خطيئة, فباتباع الرب الواحد وتعاليمه سيكون الكل أبراراً بينما إذا ما اتبع هوى نفسه فإنه سيجعل الكثير من الناس أهل خطيئة كما جاء في الكتاب المقدس: (لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا ايضاً بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً (رومية 5: 19)

كيف نستطيع كشف الحقيقة ؟؟
نحن الآن في زمن الزوابع الإعلامية فوسائل الإتصال أحاطت بنا في كلّ مكان, وأصبح الفرد يملك أدواته الإعلامية من خلال أجهزته الإلكترونية الخاصة, ومن خلالها يوجه إعلامه للآخرين في الفضاء الإفتراضي.

وهنا لابد أولاً من العودة إلى ( الأسس الوحيانية ) للعلم والمعرفة, ومن خلال ذلك نستطيع التمييز بين ( العلم الإلهي ) وبين ( الإنحراف القابيلي ) .

أما مهنياً فما هو واجب الإعلامي الإلهي الوحياني من كل الأديان التوحيدية, تجاه المجتمعات البشرية؟

أولاً: التمييز بأن الإعلام هو وسيلة إيصال ( العلم الإلهي ) للمخاطب من الجمهور المتنوع في ذوقه ومستواه الفكري والاجتماعي, فلابد أن يكون ( القالب الإعلامي ) يتناسب مع ما يستسيغه ويبهره, لا أن ينقل الخطبة في الجامع أو الموعظة في الكنيسة بذات الأسلوب – ويعنون البرنامج المقدم باسم يدل على أنه برنامج – بينما هو مجرد استنساخ ( ما في دار العبادة ) بقالبٍ إعلامي آخر, وترويجها بين الناس بشكلٍ ممل وغير جذاب.

ثانياً: التأكيد في المادة المقدمة على ( التوحيد ) و ( الله سبحانه وتعالى ) والابتعاد عن ما يفرق ( الوحيانيين ) وأما في عرض الأمور الشرعية وفق شريعة الدين, فتكون بطريقة لا تستفز أصحاب الشرائع الأخرى وبدون التعريض لهم أو لآرائهم الاجتهادية في الدين.

ثالثاً: الإنصاف وعدم بخس الآخر إنجازاته أو الإيجابيات التي يمتلكها, بل يشيد بها, فكل ما وافق الأسس الوحيانية لم يختلف عليه الأنبياء ولن يختلفوا, وكل ما وافق ( إنماء الكرة الأرضية ومجتمعاته ) هو الغاية من إعمار الأرض وتوريثها للأجيال إلى أن يرث الله بمن عليها.

رابعاً: التعاون بين كوادر ( الوحيانية ) من جميع الأديان في إعلاء كلمة الله وتوحيده ومحبته , دون النظر إلى ( الشريعة التي سيختارها الكافر ) , فوظيفة الأنبياء هي العرض, وعلى الناس القبول, ونحن لسنا أنبياء, بل أتباع أنبياء, ويجب علينا الحذو حذوهم بتخيير الناس والعرض عليهم بأمانة وموضوعية وشرح أدياننا لهم دون جرّ النار إلى أقراصنا, فنصادر بذلك حرّيتهم العقلية , فيكون هدفنا هو الله فقط لا ذواتنا وأنانيتنا وطائفتنا.

* قرآن: (وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقاب‏)

* الإصحاح الرابع: (2بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي الْمَحَبَّةِ. 3مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ.)

كيف نواجه التحريفات والإنحرافات والخرافات وكل ما أحدثه ( القابيليون ) في دين الله ؟
الجرعة البسيطة هي المطلوب إذ يجب مراعاة ما استقر في وجدان الناس عبر قرون طويلة من قيم ومعتقدات قد تتصادم مع ما يحاول الكاتب طرحه, وذلك من خلال خلق الاستفاهامات والأسئلة التي يتركها بلا أجوبة بفترة , ثم يشير إليها بجرعات بسيطة في خطاب إعلامي آخر, حتى يتقبل المجتمع خطأ معتقدهم, ثم يبدأ بطرح رأيه على المكشوف .

وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام, فكانوا يتدرجون في خطابهم الإعلامي والجرعة الدعوية, لهذا خاطب الأنبياء عليهم السلام الناس على قدر عقولهم, وعلّموهم الشرائع في أوقات متفرقة ممتدة على وقتٍ طويل.

ما هو الرأي العام المضلل ؟

المقصود به الرأي الذي اعتقده الجمهورمن خلال خطاب إعلامي كاذب ومزيّفٌ للحقائق, فيكون رأي هذا الجمهور خلاف الواقع والحقيقة, ويرتبط الرأي العام المضلل بالشائعات والأكاذيب التي تقوم فعاليتها في ظل غياب المعلومات والحقائق .

ما هي أسس الخطاب الإعلامي ؟

أولاً: عرض الإنتاج المعرفي المتعلق بالقضية, وتوضيح تاريخ بدأ هذه القضية ومسبابتها ومن تسبب بها, ثمّ بعد ذلك يتم تقييم هذه القضية المثارة, إذ تقييم المثار ونقده والتعليق عليه وإبداء الملاحظات يسمح للجمهور أن يتعرف على أوجه القصور والسلب فضلا عن التعرف على مضمون الأمر المثار.

ثانياً: مشاركة الجمهور التفاعل , جمع الواتسابات أو الفيديوهات أو المقالات عن الأمر المثار , واستخدامها في المنتج يزيد من تفاعل الناس مع هذا الأمر ويوجههم إلى النقطة المطلوبة في الخطاب الإعلامي المرسل لهم.

ثالثاً: مراعاة لغة وفهم ومستوى وعي الجمهور في استخدام اللغة التي سيتم التخاطب بها معه.

رابعاً: رفع مستوى فكر الجمهور وذلك من خلال تزويدهم بالمعارف من خلال المنتج الموجه لهم, والتركيز على الأدوات التي يتم زراعتها فيهم وتدريجياً يبدأون باستخدامها في تحليل وتقييم الأمور اللاحقة .

خامساً: أن يتجلى الخطاب الإعلامي المرسل للجمهور في شخصيات القائمين على العمل الإعلامي الذي أنتج الخطاب الإعلامي وأرسله للجمهور, بحيث تنعكس الأفكار في سلوكهم ومن ثم انتشارهم- وقد تجسدت فيهم تلك القيم والمعاني الإلهية – بين الناس وبالأحاديث الرزينة الهادئة تتم زراعة الأفكار بشكل ناعم, بالحكمة والموعظة الحسنة.

سادساً: تقديم الشواهد والأدلة التي تبرهن على صحة المعلومات والآراء المقدمة والتي تعتبر بمثابة وثائق تساعد الفرد في تكوين رأيه وهو مطمئن إلى صحته.

سابعاً : استكمال المعلومات الناقصة وتصحيح المعلومات الخاطئة وكشف المعلومات المشوّهة.

ثامناً : نقل الوقائع المرتبطة بالأشخاص والجماعات نقلاً أميناً يعكس إيجابياتهم أو سلبياتهم, إبداعاتهم أو انحرافاتهم, لأن هذه الوقائع هي جوهر الحقيقة التي تساعد في بلورة الآراء, أما كآراء مؤيدة أو كآراء محايدة.

في الختام ( الوحيانية هي طريق الخلاص ) ولنضع هذه الآية نصَبَ أعيننا : (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ‏ هَواهُ‏ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى‏ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (23) )

زكي دعبل